في زوايا أحد المقاهي الهادئة بمدينة جدة، وبين أروقة البهو الذي يعجّ برائحة البن، تبدأ قصة لا تشبه القصص المعتادة. إنها لحظة تأمل، حيث يمتزج صمت المكان بنشيد الوطن، وتتحول القهوة إلى مرآة للمشاعر والانتماء. دخول المقهى… بداية الحكاية عند دخولي إلى المقهى، لم يكن هدفي مجرد تناول فنجان القهوة المعتاد، بل كنت أبحث عن لحظة هدوء، عن مساحة صغيرة أستعيد فيها ذاتي. استقبلني النادل بابتسامة دافئة، وساعدني في اختيار طاولة تطل على نافذة تطل على الشارع، وكأنها تطل على الوطن نفسه. النشيد الوطني… صوت الوطن في الخلفية بينما كنت أستقر في مقعدي، انبعث النشيد الوطني السعودي من مكبرات الصوت، بصوت خافت لكنه عميق. لم يكن مجرد لحن، بل كان استدعاءً لذاكرة الطفولة، لصور العلم وهو يرفرف في المدارس، ولحظات الفخر في المناسبات الوطنية. فنجان القهوة… مرارة الحنين ودفء الانتماء طلبت فنجاني المفضل، قهوة سمراء، مرّة كحنين الغربة، لكنها تحمل دفء الأرض التي أحب. كل رشفة كانت كأنها بيتٌ من النشيد، وكل بيتٍ يعيدني إلى ترابٍ مشيت عليه صغيرًا، وإلى سماءٍ رفعت رأسي نحوها فخورًا. الصمت… لغة الوطن التي لا تُقال في تلك اللحظة، لم يكن الصمت مجرد غياب للكلام، بل كان حضورًا للوطن في داخلي. شعرت أن المقهى تحوّل إلى وطنٍ مصغّر، فيه النشيد، وفيه القهوة، وفيه النادل الذي يشبه أبناء بلدي في طيبته وبساطته. الوطن… ليس فقط أرضًا نعيش عليها، بل شعورٌ يسكننا هذه اللحظة البسيطة داخل المقهى، كانت تذكيرًا بأن الوطن لا يُختصر في الحدود الجغرافية، بل يُختصر في التفاصيل الصغيرة: في فنجان قهوة، في نشيد يُعزف، وفي نظرة امتنان لنادلٍ ساعدك على الجلوس.