أقسى النِعم… حين يكون الألم طريقًا إلى الله


فاطمة الحربي
رحلة تأمل في دروس الحياة القاسية التي لم تكسر الروح، بل سمت بها نحو نور الحكمة والإيمان
لم تكن أقسى هدايا الحياة تلك اللحظات التي بكيت فيها حتى نامت عيناي من التعب، ولا تلك الليالي التي شعرت فيها أنني أتنفس تحت الماء، أثقلني الحزن حتى كدت أن أغرق. لم تكن في الوداع، ولا في الخذلان، ولا حتى في الوحدة التي كانت تتسلل إليّ في الزحام.
أقسى ما قدمته لي الحياة، كان دروسًا بثمنٍ غالٍ، مغلفة بالألم، لكنها حملت في طيّاتها سموًا للروح لا يُشترى. جعلتني أطرق أبواب نفسي، أبحث في زواياها المهملة عن معنى، عن نور خافت، عن حكمة خفية لم أكن أراها في عز النعيم.
ولأن الله يُربّي عباده بالبلاء كما يُربّيهم بالعطاء، كنت أعلم في أعماقي أن ما يُكسرني، إنما يُعيد تشكيل قلبي ليتسع للرحمة، للصبر، ولليقين. قال تعالى:
“وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ” [البقرة: 216]
آمنت أن بعض الكسر فيه خيرٌ لا يُدركه العقل، لكنه يُزهر في الروح بعد حين.
علمتني الحياة أن الألم ليس عدوًا، بل معلمٌ صارم، لا يجامل، ولا يرحم، لكنه صادق. كل سقطةٍ كانت تهذب كبريائي، وكل خيبةٍ كانت تقشر عني وهمًا كنت أظنه واقعًا. أقسى ما مررت به، لم يقتلني كما ظننت، بل نزع عني الغشاوة، وعرّفني إلى ذاتي الحقيقية.
“إذا أحبّ الله عبدًا ابتلاه”، لم تكن تلك الكلمات مجرد حديث، بل أصبحت نبضًا يرافقني في كل ضعف، فكل محنة كانت تُطهرني، تُقرّبني، تُعلّمني كيف أعود إلى الله بصدقٍ لا يعرف الرياء.
سموت حين غفرت، وتساميت حين اخترت الصمت بدل الرد، وارتقيت حين مددت يدي لأرفع غيري وأنا ما زلت أتعلم النهوض. أقسى ما قدمته لي الحياة… هو ما صنع منّي هذه النسخة التي أراها اليوم في المرآة. نسخة قد لا تكون مثالية، لكنها صلبة، شفافة، تعرف كيف تبكي وتنهض، كيف تعترف بالضعف دون أن تنكسر، وكيف ترى في كل وجعٍ بذرة نور.
وها أنا اليوم، لا ألعن الألم، بل أذكره بخشوع. لأنه كان رسولي إلى الله، وسُلّمي إلى السماء





