البيض المسلوق مع كل عام دراسي ذكرى لا تموت

فاطمه الحربي
مع كل صباح دراسي يعود بي الزمن إلى ملامحكِ يا أمي. لم يكن صوت المنبّه هو ما يوقظنا، بل رائحة الفطور التي تملأ البيت قبل أن تشرق الشمس. كنتِ تنهضين مبكرًا، وكأنكِ على موعد مع رسالتك الأبدية: أن تمنحي أبناءك بداية يوم مليئة بالدفء والطاقة.
البيض المسلوق كان عادة لا تنكسر على مائدتنا. لم يكن مجرّد طعام، بل كان رسالة خفية منكِ. كنتِ تقولين: “البيض يقوّي العقل، ويشحذ الذاكرة، ويعينكم على الفهم والتركيز.” لم يكن ذلك مجرّد كلام عابر، بل درس يتجاوز حدود المطبخ إلى عمق الحياة. علّمتنا أن الغذاء ليس لملء البطون فقط، بل لبناء الفكر وصناعة المستقبل.
كل عام دراسي كان يبدأ من بين يديك، من كوب الشاي الذي تعدّينه، ومن ابتسامتك التي تمنحنا شجاعة مواجهة يوم طويل. واليوم… حين يفتح أبنائي دفاترهم ويستعدون لبداية عام جديد، أجدني أستعيد قصصكِ، كأنها ميراث خالد لا يشيخ.
رحمكِ الله يا أمي، يا فقيدتي الغالية. غبتِ بالجسد، لكنكِ حاضرة في التفاصيل الصغيرة، في رائحة البيض المسلوق، في صوت نصائحك، وفي كل دعاء يخرج من قلبي مع كل صباح.
ليت الأجيال القادمة تعرف أن الأم ليست مجرد راعية بيت، بل ذاكرة حيّة تصنع المستقبل بلمساتها اليومية. قصص الأمهات يجب أن تورّث، لأنها ليست حكايات عابرة، بل دروس عمر، وكنوز لا تقدّر بثمن.