(الجزء الرابع / حوار على بئر مدين )
![]()
حينما جاءت جاءت “تمشي على استحياء“؛ والذي يمشي على استحياء بلا شك سيقول على استحياء، وليس كل من يقول على استحياء يمشي على استحياء؛ فقد يكون الحياء في القول من عي أو من مرض، لكن المشي على حياء رأس الأفعال والأقوال. وهنا بنات مدين اثنتان: إحداهما خرجت تمشي على استحياء، والأخرى ربما منعها حياؤها من أن تخرج مرة ثانية؛ فالحياء يزيد مشقة صاحبه ويرهق روحه؛ فالبنت جاءت يحملها الحياء وتحمله؛ فزاد من مشقتها وتعبها وإرهاقها في تلك الفترة الزمنية؛ فقد قطعت الطريق مرتين ذهابا وإيابا، وتلك المرة بمفردها ليس مع أختها ولا حتى غنمها تستأنس بها، بل ومعها الحياء يمد لها في الطريق أميالا وأميالا، ويعقد أقدامها، ويكبلها وهي تصارعه وتمشي، ورغم كل ذلك لم تنس التكليف الذي كُلفت به، ولم تلحن فيه أو تبدله؛ بل قالت: “ إن أبي يدعوك”، كما قيل دعته باسم أبيها لا باسمها، ولم تقل ندعوك أوأدعوك، وكان سبب الدعوة واضحا مبهما في آن واحد، واضح من حيث سببه وهي السقاية؛ لكنه مبهم من حيث ماهيته ماهو الجزاء ؟ وقدمت سبب الدعوة “ليجزيك أجر ما سقيت؛ دعوة لإعطاء الحقوق لأصحابها، وعدم بخس الناس أشياءهم، وكما تنص القاعدة الفقهية”حق الله مسامحة وحق الناس مشاحنة”، فلا يجوز لمسلم أكل حق أخيه المسلم لا سيما وإن كانا قد اتفقا، وصاحب مدين هنا يعطي تورعا بلا اتفاق مسبق بينه وبين موسى؛ فقط تقوى وورع منه وعدم استغلال للناس. كانت تلك العبارة رسالة ايجابية اطمأن بها موسى؛ إذ كشفت له ميزان العدل والصلاح في تلك المنطقة، بوجود من يأنس به وعلى شاكلة روحه في غربته؛ فلم يجمع الله له بين غربة الوطن وغربة الروح.
سكت الحوار هنا، وكأنها ولت هاربة من خجلها؛ فالتي تخجل من قومها فوق البئر ولم تسقي معهم؛ أجدر بأن تخجل من رجل غريب لا تعرفه. لذلك من المستبعد أن يكون موسى ذهب معها لأبيها؛ لا أمامها ولا خلفها، بل لم تمهله يسألها: كيف أذهب؟ ولم تسمح له مثلها أن يذهب معها في طريق واحد، بل تركته وتركها؛ وجاء يسأل ويجتهد حتى يصل إلى الشيخ الكبير الذي له غنم؛ وبنتان ترعاهما؛ فدُل عليه؛ فوصله بعد عناء ومشقة؛ فالله يقول: “فلما جاءه” وكما أسلفنا بأن المجيء فيه مشقة وهي تلك التي وجدها في البحث عن الرجل والسؤال عنه؛ وتلك هي الأمانة الحقيقة التي وُصف بها ترْكه للبنت لم يذهب معها. ومن ترك شيئا لله عوضه الله به أو بخير منه، فموسى إما أن يكون قد تزوجها هي أو تزوج أختها.
“يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين”؛ فلنترك مساحة لبناتنا ونسائنا لإبداء الرأي وطرح الفِكَر؛ فقد تنبت في عقلها من الفكر العظيمة ما لا ينبت في أفكار الرجال؛ هنا البنت تضع قاعدة عامة في استئجار القوى العاملة؛ أن تتحلى بالقوة والأمانة؛ والقوة مقدمة على الأمانة خاصة في العمل البدني؛ لأنّ الأمانة من غير قوة ربما تُضيّع، فهب أنه أمين لكنه ضعيف؛ فالمال في يده على خطر؛ لأنه ليس لديه من القوة ما يحميه؛ والقوة تشمل القوة البدنية والقوة العقلية؛ ولا شك أن موسى جمع بينهما؛ لأنّ الله قال له:” واصطنعتك لنفسي”؛ ولا شك أن البنت على البئرلاحظت القوتين هاتين، وتقديم القوة كذلك ترتيبا لأحداث القصة؛ فقد لاحظت القوة في حال السقي، ثم لاحظت الأمانة في حوارها منفردة معه دون اختها؛ فلم يسرق النظرات إليها ولا يختلس غفلة منها أو يستميل قلبها بلين القول أو نظرة فاترة؛ فكان أمينا عليها من نفسه ونفسها.
ومثل تلك من النساء هي التي ينفق فيها عشر سنين من العمر مهرًا راعيًا؛ لم يعترض موسى أو يرفض حينما عرض عليه الزواج من إحداهن؛ولا شك أن الاختيار بينهما كان من موسى، ولا شك أن التي ذهبت منفردة كانت هي الأقرب إليه؛ لمعرفته بها أكثر؛ لأنّه كما شاهدت منه قوة وأمانة؛ شاهد منها حياء وفطنة؛ ومثلها هي من تتحمل عما قريب أعباء الدعوة في بني إسرائيل، ومن تكن من الصالحات وتتزوج رجلا نبيًا سيكون من أولي العزم لا شك هي اختيار أمثل من الله تعالى؛ ولكل جبل أشم أرض تحته راسخة تحمله.
الكاتب :
د. محمد أبواليزيد أبوالحسن
(الجزء الرابع والأخير / حوار على بئر مدين )