السعودية تنظّم تجارة الإبل.. توثيق إلكتروني ورفق بالحيوان


تحقيق- هبة حجاب
لم يعد سوق الإبل في السعودية ذلك الفضاء المفتوح الذي تحكمه الممارسات التقليدية، حيث أصدرت وزارة البيئة والمياه والزراعة السعودية ضوابط شاملة لتنظيم عمليات بيع وشراء وتأجير ومقايضة الإبل في المملكة، وتمتد إلى قواعد للتعامل مع الإبل في الأسواق والمعارض والمزاد، وبند لافت: منع “إزعاج” الإبل.
وتأتي هذه الضوابط استناداً إلى قانون (نظام) الرفق بالحيوان لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ونظام الزراعة ولائحته التنفيذية، والأدلة الإجرائية والتعاميم المتعلقة بتسجيل الإبل وإدارتها إلكترونيًا، لتضع إطاراً قانونياً موحداً لقطاع يشكل ركيزة اقتصادية وثقافية في المجتمع السعودي..
ونشرت الجريدة الرسمية “أم القرى” “الضوابط التنظيمية للمتاجرة بالإبل”، المعتمدة بقرار وزير البيئة والمياه والزراعة المهندس عبدالرحمن بن عبدالمحسن الفضلي، يحمل رقم 481533452 بتاريخ 25-2-1448هـ، وينص على سريان العمل به من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، وتسري هذه الضوابط على كل فرد أو كيان له علاقة ببيع أو شراء أو تداول أو تأجير أو مقايضة الإبل.


توثيق إلكتروني وجواز سفر للإبل
تشترط اللائحة لصحة عقود البيع تحديداً دقيقاً عبر «الشريحة الإلكترونية» و«جواز سفر الإبل»، وإرفاق بطاقة صحية بيطرية من منصة «نما»، مع بيانات النوع والسلالة والجنس والاسم والوزن والعمر والحالة الصحية واللون والسعر، مع إلزام البائع بضمان خلو الإبل من الأمراض والعيوب وحقوق الغير.
كان نائب الوزير المهندس منصور المشيطي قد دشن مشروع جواز سفر الإبل، في 3 فبراير 2026، وهو وثيقة تضم رقم الشريحة والجواز والاسم وتاريخ الولادة والسلالة والجنس واللون ومكان الولادة، مع صور من الجانبين وجدول تحصينات معتمد من الطبيب البيطري، بهدف توثيق الملكية ورفع موثوقية التعاملات.
وفي المزادات، تحظر الضوابط بيع أو عرض الإبل غير المستوفية لبرامج التحصين، أو التي تظهر عليها علامات إجهاد أو أعراض مرضية، مع عزلها عن بقية الإبل، كما تلزم بالدفع الإلكتروني وتسجيل بيانات المالك والبائع والمشتري ورخصة النقل والسعر.
وعلق راكان السهلي، ممثل ومقدم برامج: «جهود مباركة وخطوة تنظيمية مهمة تسهم في تطوير قطاع الإبل وتعزيز الثقة والوضوح في السوق».
شروط صحة البيع وأركانه
يشترط العقد إرادة طرفين (إيجاب وقبول) مع التراضي والمحل والسبب واتفاق على الثمن، دون إكراه أو غلط أو غبن فاحش، فإذا هلكت الإبل بعد إبرام العقد، فتسري بشأن العقد أحكام الفسخ والتعويض المنصوص عليها في الضوابط، مع اختلاف الحكم بحسب وقوع الهلاك قبل التسليم أو بعده.
كما يجب تحديد النوع والجنس والاسم والسلالة والوزن والعمر والحالة البدنية والصحية واللون، وضمت الضوابط أمثلة استرشادية على تفاوت قيمة الإبل، من بينها تقدير قيمة الجمل “عرنون” بما يعادل 200 مليون ريال، وتراوح أسعار الإبل المقنوي بين 15 و25 ألف ريال.
ويلتزم البائع بنقل الملكية وتسليم الإبل بحالتها وقت البيع خالية من الأمراض وحقوق الغير، والمشتري بأداء الثمن قبل التسلم ما لم يُتفق خلافه، ويتحمل نفقات العقد والتسجيل والرعاية الطبية بعد الاستلام.
التأجير والمقايضة.. عقود إلكترونية تحمي الطرفين
وتنظم الضوابط كذلك تأجير الإبل ومقايضتها من خلال عقود موثقة إلكترونيًا تمنح المستفيد سجلاً مؤقتاً طوال مدة العقد، وتعود الإبل إلى سجل المالك الأساسي عند انتهاء مدة العقد، مع تسجيل المالك على منصة الوزارة وتوثيق العقد إلكترونيًّا.
وتتيح المقايضة تبادل إبل مسجلة مقابل إبل أخرى أو أصول غير نقدية بشرط التوثيق، وعند الفسخ تُرد الإبل لمالكها الأصلي بالحالة المتفق عليها، وإن تعذّرت إعادة الحال تُقدّر المحكمة التعويض المناسب.
ويؤدي تأجير الإبل المدعومة حكوميًا دون الإفصاح عن ذلك إلى وقف الدعم واسترداده، كما يُحظر تغيير موقع القطيع المدعوم دون موافقة الوزارة.


ضوابط جديدة تحترم خصوصية الإبل وتمنع إزعاجها
وتنص الضوابط على منع إغاظة الإبل، واحترام خصوصيتها، وترك مسافة كافية حولها، وعدم رفع الأصوات أو تعمد إزعاجها في الأسواق والمعارض والمزادات،
فيما يجرّم نظام الزراعة إيذاء الثروة الحيوانية، ويقرر عقوبات تصل إلى السجن خمس سنوات وغرامة عشرة ملايين ريال، مع فتح باب الإبلاغ الإلكتروني عن المخالفات.
وتعلق أ.د الجوهرة بنت فهد الزامل، عضو مجلس هيئة حقوق الإنسان: «الرفق بالحيوان يكشف شيئًا من أخلاق الإنسان ووعيه؛ فالإنسان يُقاس أيضًا بطريقة تعامله مع كائن لا يستطيع أن يتحدث أو يدافع عن نفسه، فحين نتهذّب في تعاملنا مع الصامتين، نكون في الحقيقة نرتقي بأنفسنا».
وتضيف بشرى: «أحلى شيء قرأته اليوم! الناقة إذا جفلت تخاف، وممكن تقعد لأسابيع ما تأكل إلا قليل، وفيه إبل تموت من الجِفال! دائماً يستفزونني أهل فعاليات الإبل؛ طرد وصراخ، وشيلات، وبواري سيارات، والإبل جافلة!».
وتتساءل نرجس المالكي: «تستاهل الإبل، بس ودي تفهموني كيف يعني إزعاج الإبل؟ تربيت وشفت أبوي إذا مر وشاف إبل يحترمها احترام مُلفت، وسرنا على دربه لدرجة إني ما أتخيل إن فيه أحد يزعجها».
الإبل والبدو.. علاقة تتجاوز المنفعة
ارتبطت الإبل تاريخيًا بحياة سكان الجزيرة العربية، واستخدمت في التنقل والتجارة والغذاء، قبل أن تتحول إلى جانب ثقافي واقتصادي وتراثي بارز في العصر الحديث.
تحظى الإبل بمكانة ثقافية واقتصادية بارزة في المملكة، فقد خُصص عام 2024 «عاماً للإبل» في السعودية، وتحتضن منطقة الحدود الشمالية وحدها نحو 70 ألف رأس من الإبل، وفق تقرير صادر عن فرع وزارة البيئة والمياه والزراعة بالمنطقة في يونيو 2026، فيما تتجاوز قيمة بعض الفحول مثل «الجمل عرنون» 200 مليون ريال.
خطوة نوعية تعزز تنظيم السوق
أشاد الشيخ فهد بن فلاح بن حثلين، رئيس مجلس إدارة نادي الإبل، بجهود الوزارة، مؤكداً أنها «خطوة نوعية تعزز تنظيم السوق وتواكب تطور قطاع الإبل».
ويقول حسب الشيهي، -معلق مهرجان الملك عبد العزيز للإبل-: «جهودٌ تنظيمية تلتقي مع ما يقوده نادي الإبل من عملٍ متواصل لتعزيز اقتصاديات الإبل، وتحويل هذا الموروث الوطني إلى قطاع اقتصادي أكثر نضجًا واستدامة».
ويضيف حمد بن عجيمه، مالك إبل ومحلل في المهرجان: «الإبل أصبحت بوابة استثمار وأيقونة تجمع الهواية والاستثمار ورافد اقتصادي وثقافي، وكل الأنظمة التي تواكب هذا القطاع في مصلحة القطاع».
الإبل ليست سلعة وراحتها حق يحميه النظام
وتكشف الضوابط الجديدة عن انتقال تنظيم المتاجرة بالإبل إلى مستوى أكثر تفصيلًا، يجمع بين توثيق الملكية والبيانات الصحية، وتنظيم البيع والتأجير والمقايضة، ووضع قواعد واضحة للتعامل مع الإبل في الأسواق والمزادات والمعارض. وبين الشريحة الإلكترونية وجواز السفر، وصولًا إلى منع إغاظة الإبل وتعمد إزعاجها، ترسم الضوابط إطارًا يجمع بين حماية حقوق المتعاملين وتعزيز الرفق بالحيوان.
«تحقيق حصري لصحيفة أشجان الإلكترونية – جميع الحقوق محفوظة. يمنع إعادة نشر هذا المحتوى أو اقتباسه دون إذن رسمي من الصحيفة.







