حملة ولي العهد للتبرع بالدم.. رحلة إنسانية من المتبرع إلى المريض


تحقيق- هبة حجاب
لم يكن تبرع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز بالدم في 6 أكتوبر 2026 مجرد لقطة إنسانية عابرة، بل كان إعلاناً واضحاً بأن إنقاذ الأرواح مسؤولية تقع على عاتق الجميع، من أعلى مستويات القيادة إلى جميع فئات المجتمع.
فحين يمد المسؤول الأول ذراعه أمام الكاميرات، فإنه لا يبعث برسالة توعوية فحسب، بل يسهم في ترسيخ ثقافة التبرع المنتظم باعتباره عملا وطنياً مستمر، لا مناسبة موسمية.
وقد حققت حملة ولي العهد نجاحاً واسعا خلال عام 2025، حيث أعلنت وزارة الصحة السعودية أن عدد المتبرعين في المملكة تجاوز أكثر من 900 ألف متبرع خلال عام واحد، وأسهمت الحملة في زيادة عدد المتبرعين إلى أربعة أضعاف، وسجلت أكثر من 65 ألف متبرع بنسبة تبرع طوعي بلغت 100%، وأكثر من 85% من المتبرعين جدد.
واستفاد من الحملة أكثر من 63 ألف شخص من وحدات الدم، و10 آلاف من الصفائح، و10 آلاف من البلازما في عام 2025 ، هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات تُعلن في المؤتمرات الصحفية، بل هي أرواح أنقذت، وأسر لم تفقد عائلها، وأطفال عادوا سالمين إلى بيوتهم.
صلاحية محدودة.. لماذا تحتاج بنوك الدم إلى إمدادات متجددة؟
الدم ليس سلعة يمكن تصنيعها في مختبر، ورغم التقدم الطبي الهائل لا يزال البشر يعتمدون على بعضهم البعض في هذا المورد الحيوي، تُستخدم عمليات نقل الدم في حالات متعددة: من مضاعفات الحمل والنزف قبل الولادة أو بعدها، إلى المرضى أثناء جراحات القلب وزراعة الأعضاء، وصولاً إلى مرضى السرطان وأمراض الدم والحوادث.
الخاصية الأكثر إلحاحاً في هذا المورد هي قصر عمره، تشرح وزارة الصحة أن كريات الدم الحمراء تصلح لمدة 42 يوماً ، والبلازما 12 شهراً، والصفائح الدموية 5 أيام فقط وفقا لشروط تخزين محددة، ولهذا يحتاج المخزون إلى تجديد دائم حتى في غياب الطلب الطارئ.
هذه المعادلة — دم لا يُصنَّع، وصلاحية قصيرة، وطلب مزمن تتطلب استمرار التبرع طوال العام.
أنواع التبرع.. حين يصبح الدم مكونات منفصلة
لم يعد التبرع بالدم عملية واحدة متجانسة، فإلى جانب التبرع التقليدي بالدم الكامل، تطورت تقنيات تسمح بفصل مكونات محددة وإعادة الباقي إلى المتبرع عبر جهاز يسمى “Apheresis”.
التبرع بالصفائح الدموية يستهدف بشكل خاص مرضى السرطان وزراعة الأعضاء، أما التبرع بالبلازما فيخدم حالات الحروق واضطرابات التخثر، ويمكن تخزينها مجمدة لمدة عام كامل.
هذا التخصص الدقيق يعكس تطوراً في فهم بنوك الدم لاحتياجات كل فئة من المرضى، لكنه يفرض تحدياً لوجستياً: كلما زاد التخصص، زادت الحاجة إلى متبرعين منتظمين ومؤهلين لكل نوع.
من يحق له التبرع؟ معايير تحمي طرفين
لا يُسمح للجميع بالتبرع، الشروط الصحية صارمة لحماية الطرفين، وفقًا للمعايير المنشورة لوزارة الصحة، وبعد اجتياز التقييم الطبي في مركز التبرع، يجب أن يكون عمر المتبرع بين 18 و65 سنة، ووزنه لا يقل عن 50 كجم، ونسبة الهيموجلوبين للرجال بين 14 و17 جم/دل، وللنساء بين 12 و14 جم/دل ،.
لكن هذه الشروط ليست مجرد عوائق بيروقراطية، فالمتبرع المصاب بمرض معدٍ قد ينقل العدوى إلى المريض، والمتبرع المصاب بفقر الدم الحاد قد يعرض نفسه للخطر، لذلك تُجرى على كل وحدة دم اختبارات دقيقة للكشف عن الإيدز والتهاب الكبد B وC والزهري والملاريا.
كمية الدم المتبرع بها في المرة الواحدة تتراوح بين 450 و500 مل، تقل عادة عن 10% من حجم دم الشخص البالغ، ويمكن للشخص البالغ السليم التبرع كل شهرين، بحد أقصى 5 مرات في السنة، هذه الفواصل الزمنية ليست اعتباطية: البلازما تعوض خلال 24 ساعة، لكن خلايا الدم الحمراء تحتاج إلى أسابيع للعودة إلى مستوياتها الطبيعية.


الوجه الآخر للعطاء.. الفوائد الصحية للمتبرع
قد يبدو التبرع بالدم عملاً خيرياً بحتاً، لكن الأدلة تشير إلى فوائد صحية للمتبرع نفسه، وفقاً لوزارة الصحة، التبرع يحفز نخاع العظم على إنتاج خلايا دم جديدة، وينشط الدورة الدموية، ويساعد على تقليل نسبة الحديد في الدم، وهو عامل مرتبط بأمراض القلب وانسداد الشرايين، وتشير دراسات إلى أن المتبرعين مرة واحدة على الأقل سنوياً هم أقل عرضة للإصابة بأمراض الدورة الدموية وسرطان الدم.
كما يحصل المتبرع على مؤشر صحي مجاني في كل مرة يتبرع فيها، إذ يخضع لفحص ضغط الدم والنبض والهيموجلوبين قبل التبرع.
الرهان الحقيقي.. من متبرع جديد إلى متبرع دائم
أظهرت دراسة لمؤسسة Ipsos “إبسوس موري”، أن 58% من المشاركين السعوديين المستطلعة آراؤهم أبدوا استعدادهم للتبرع بالدم لمساعدة الآخرين، ضمن دراسة شملت 28 دولة، ويعكس المؤشر قابلية مجتمعية للعطاء، وفي عام 1405هـ صدر أمر سامٍ بإيقاف استيراد الدم من الخارج، فكل وحدة تأتي من متبرع محلي مواطناً كان أو مقيماً.
وقد أثبتت حملة ولي العهد أن المجتمع السعودي جاهز لهذا العطاء، وأن القيادة تؤمن به وتقوده، المهم الآن هي ألا تنطفئ هذه الشعلة بعد انتهاء الحملة، ويبقى التحدي في الحفاظ على هذا الزخم وتحويله إلى ممارسة منتظمة طوال العام.
التبرع بالدم ليس عملاً إنسانياً نبيلاً فحسب، بل هو ضرورة صحية وطنية، ومؤشر على تماسك المجتمع وتضامنه، واستثمار في صحة الأجيال القادمة.
«تحقيق حصري لصحيفة أشجان الإلكترونية – جميع الحقوق محفوظة. يمنع إعادة نشر هذا المحتوى أو اقتباسه دون إذن رسمي من الصحيفة.







