الصمت


المدينة المنورة ✍️ سمير الفرشوطي
يبرز الصمت كملاذ أخير للنفوس المتعبة. إنه ليس مجرد غياب للصوت، بل لغة عميقة لا يفهمها إلا من اكتوى بنار التجارب وتجرع مرارة الخذلان.
يلجأ الإنسان للعزلة حين تثقل كاهله الصدمات النفسية، فيختار الانسحاب من ضجيج المجتمع إلى سكون داخلي. هذا الانعزال ليس هروباً، بل هو رحلة استشفاء للروح المنهكة من جراح الواقع.
تتعدد أسباب اللجوء للسكون؛ فقد يكون وليد خيبات الأمل المتتالية، أو نتيجة حزن دفين لم يجد آذاناً صاغية. ربما يأتي بعد فقدان عزيز، أو خيانة صديق، أو انهيار حلم طال انتظاره.
من المفارقات أن الإنسان المنعزل يعيش في كوكب خاص به، يراه الآخرون منطوياً، بينما يرى هو نفسه متأملاً. عندما يغلق أبواب التواصل مع العالم الخارجي، ينفتح على عوالم داخلية أكثر ثراءً وعمقاً.
عندما تتكالب الأحزان، يصبح التعبير عنها بالكلمات عاجزاً. هنا يتحول الصمت إلى لغة بليغة تعبر عما تعجز عنه الحروف والكلمات. إنه صرخة صامتة تدوي في أعماق الروح دون أن تخدش هدوء المكان.
يخطئ من يظن أن المنسحب للعزلة ضعيف. الحقيقة أنه اختار مواجهة ذاته بشجاعة، بعيداً عن ضوضاء العالم وأحكامه السطحية. في هذه المواجهة، قد يكتشف الإنسان معادن روحه، ويعيد اكتشاف قوته الداخلية.
السكون ليس نهاية المطاف، بل محطة للتعافي. فمن رحم الألم تولد القوة، ومن عتمة الوحدة يشع نور البصيرة. قد تكون العزلة جسراً للعبور من ضفة الجراح إلى شاطئ السلام الداخلي.
في النهاية، يدرك المتأمل أن الصمت ليس غياباً للحياة، بل هو حياة بوتيرة مختلفة. إنه فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وتنقية الروح من شوائب الخيبات، والتحضير لانطلاقة جديدة أكثر نضجاً وحكمة





