الكاتب : فلاح بن علي الزهرانيمقالات وآراء

النخلة والأخيلة ( استشراف بين المنظور والمأمول)

بقلم: فلاح بن علي الزهراني

الأصالة والشموخ:

النخلة سيدة الأشجار، عربية المنبت والمنشأ، ملكة على عرش الجمال، رمزية العنفوان، سامقة باسقة، عالية تعانق السماء، تنتصب كعمود شامخ لا تهزمه العواصف، ينسدل من على رأسها السعف كجدائل حسناء تزينت ليوم عرسها، تتباهى بقامتها وشموخها؛ لتكون مَعْلَمًا للتائهين، وملجأ للمعدمين، غذاء للفقراء، ترف للأثرياء؛ أم رؤوم تعطي بسخاء!!

الجمال والجلال:

أثنى الله عليها لجمالها وشممها وعلو هامتها وكرمها وجمال طلعها بقوله: {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ} [ق : 10]

ولعظمة قدرها ورفعة مكانتها في كينونة العربي فقد جعل منها الرسول ﷺ  نبراساً ومثلاً أعلى للمؤمن في الثبات والشمم، وعدم السقوط؛ ضعفاً أو خنوعاً، لتظل صامدةً أمام العواصف والتقلبات المربكة: “إنَّ من الشجرةِ شجرةٌ لا يسقطُ ورقها وهي مثلُ المؤمنِ

كما جعلها نبراسًا، بل مثلاً أعلى لطيبها وطيب نتاجها، بقوله ﷺ : «مثل المؤمن مثل النخلة: لا تأكل إلا طيباً، ولا تضع إلا طيباً».

ولما لها من حضور وحظوة في نفس الرسول وحديثه  فقد سماها ﷺ ” الشجرة المباركة؛ كونها ذات عطاء مدرار؛ ظل وثمر!.

الأهمية والاهتمام:

لم يتوقف الأمر على المديح والثناء، بل استطرد الرسول ﷺ في أكثر من موضع بالتوصية بها على سبيل الإكرام لها، والتأكيد على قدرها، وتبيان فضلها والتشديد على أهميتها، والإشادة بنتاجها وعطائها، والعمل على البر بها؛ تكثيرا وعنايةً، بقوله: (أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم وليس شيء من الشجر يلقح غيرها)

 بل ليؤكد على أهمية نتاجها كقيمة غذائية بقوله ﷺ : (بيت ليس فيه تمر جياع أهله).

 ذلك لاحتوائه على المعادن والفيتامينات، والبروتين والسكريات وغيرها مما يحتاجه جسم الإنسان، مما يجعله من أطيب الطعام وأجوده وأصحه، ولعل تكرار ذكر النخل في مواضع عدة في القرآن الكريم فيه تأكيد على أهميته وعظم الفائدة، قال تعالى:{وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ۞ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ} [الرحمن :10~ 11]

ولالتصاقها بالمؤمن حباً وغذاء ، فقد جعلها الله رفيقة رحلتهم إلى الدار الآخرة، ومن لذائذ طعامهم في الجنة كذلك: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن : 68]

  قال ابن عباسرضي الله عنه في وصفها الأخروي: (نخل الجنة جذوعها زمرد أخضر، كرانيفها ذهب أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنة، منها مقطعاتهم، وحللهم، وثمرها أمثال القلال أو الدلاء، وأشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وألين من الزبد، وليس له عجم)!

وقال ابن القيم: “وخص النخل والرمان من بين الفاكهة بالذكر لفضلهما وشرفهما، كما نص على حدائق النخل والأعناب في سورة النبأ، إذ هما من أفضل أنواع الفاكهة وأطيبها وأحلاها.

الدعم والتحنان:

كما أن النخلة بتفردها تتجاوز البعد المادي إلى الدعم النفسي، لتكون بمثابة العون والملجأ وقت الأزمات والشدائد- عندما يعدم المرء الأخِلاء- لتمثل الأمان والسكينة لكل موجوع ومهموم؛ ليجد في الإتكاء عليها قوة معنوية تسري لجسده، فتنفذ إذ ذاك لروحه، وكأنما هي معتصم يأوي إليها ليشد بها أزره، فتقوى شوكته، وترتفع معنوياته! ذلك ما جعل مريم  العذراء- عليها السلام – تتخذها عضداً وملجأ؛ عندما أرادت أن تتقي شر الألسن الحداد، إذ كان جذعها الحنون الخيار الأوحد، الذي أحتضن ضعفها ليحيطها بالأمان، بل ليأويها ويكرمها!! فحيي بعد يبس- بأمر الله- ليساقط عليها رطباً جنياً، {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} [مريم : 25]

 النظَارة والعطاء:

لقد أضحت النخلة في قاموس الجمال أعجوبة ربانية، فها هي مثالا في العلو؛ كطودٍ شامخ، منتصبة القوام، ريانة العود، هضيمة الكشخ، طيبة الثمر، حلوة التمر، لا يسقط ورقها، ولا يخفت ذكرها، تُزين بها الطرق والحدائق؛ نظِرة خضرة، بهية مهيبة، مجللة، أبية تقاوم الظروف، وأنّى لها أن تنحني! 

عمرها مديد، خيرها وفير غير مجدوذ، تتدلى عناقيدها كذهب أصفر وأحمر، تكافيء بالجود وتبتهج بالود ..  محبوبة ودوده، فاخرة مجيده، وفية أصيلة، سيرتها عليّة، وصورتها جليّة، بنت الصحراء، وربيبة المدينة، رفيفة شفيفة، لا تمِل ولا تُمَلّ، عصرية متجددة، أنيقة راقية، جميلة جلية؛ إنها النخلة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها!!

وهي- أي النخلة- بكل ما تحمله من صفات الجمال حد الكمال، تراءت في عين د. عبدالرحمن العشماوي مثلا أعلى للإنسان، إذ يقول:

كن كالنخيل عن الأحقاد مرتفعا

يرمى بصخر فيعطي أطيب الثمر ⁧‫

النفع والمعاصرة:

 لم ينحصر نفع النخلة- منذ الأزل- على ما تقدمه من أنواع التمر بدرجاته ومذاقاته المختلفة، {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد : 4]

بل تجاوزت ذلك لما هو أبعد، قال تعالى: {وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل : 67]

أي لمنافع عدة، استثمرت أو لم تستثمر بعد!!

فقد أُتخِذ من جريدها سقفاً للمنازل؛ كِنّاً دافئاً، وقايةً وأماناً، ومن سعفها السلال والحصير وكل ما يحتاج الإنسان؛ كالبسط وأنواع الحرف اليدوية. ثم ليكتشف لاحقاً أن كل مكوناتها مصدرا ثريا للعديد من المنتجات، بدءا بنواة التمر التي يصنع منها مسحوقًا غذائيا وعلاجيا نافعاً، كما تصنع من سعفها الألياف النسيجية، والحبال والسجاد، وتدعيم الجبس للأسقف المعلقة، فيما يتم تحويل بقايا المخلفات لسماد وأتربة غنية وخصبة.

كما ركز التوجه الحالي على الصناعات التحويلية بدرجة أولى وذلك لاستخلاص منتجات متعددة؛ منها الأدوية العلاجية  والصابون والشامبو ومركبات التجميل، إضافة للمستخلصات الغذائية الأخرى؛ كالعجوة والمربى وطحينية التمر، والمشروبات التي يعد منها ” ميلاف كولا” بصفته علامة تجارية متفردة!!

الحسن والنقاء:

إنها النخلة مثالٌ في الوفاء، نموذج في العطاء، ضافية برونق وجمال، جاذبة بحسن أخاذ، يزهو بها المكان، كما يشرف بها الإنسان، تجمّل المدن وتزين الدور!

تشكل رئـةٌ طبيعية تنتعش بها الأنفس نشوة وسرورا، تملأ المكان أكسيراً تنشرح له الصدور؛ غبطةً وحبوراً، تنقي الأجواء وتذهب الأكدار، تبهج الخاطر، وتقر بها الأعين؛ جمالا وإتساقاً!! 

الواجب والاستحقاق:

 لقد أكد رسول الله- صلى الله عليه وسلمعلى

أهمية غرسها- ولو في اللحظات الأخيرة من عمر الزمن- انطلاقا من قيمتها وعوائدها بقوله: “إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها”

 ذلك تعظيماً لشأنها، وإجلالاً لقدرها، وتأكيداً لبذل  الجهد لغرسها دون توانٍ؛ وفاءً لحقها؛ كونها صديقة للبيئة، حفية بالإنسان، تزدان بها الشوارع، تتنضر بها الحدائق.. تعكس أصالتنا، توثق الصلة بإرثنا، بقيمنا، كونها جزء لا يتجزأ من جذورنا التاريخية، لتظل شاهدة تحمل عبق جدودنا! 

حريٌّ بها أن تنال أولوية قصوى في التشجير البلدي لما تشكله من لوحة جمالية متفردة؛

 ،بِــراً ..بِـــرا .. بهذه الوديعة النظرة، اللطيفة المغدقة   

رمز الجمال، التي كانت وما زالت ظلا وفيّا وتمرا جنياً، وخيراً عميماً ونعيماً مقيماً!!

الاحتفاء والإكرام:

لقد حظيت النخلة بقدر وافٍ من الاحتفاء، انطلاقا من مكانتها المرموقة في النفوس كأرتباط الروح بالجسد، إذ هي الكريمة عندما تمسك الأيادي عن العطاء، وحالما تصبح الدياربلاقع بلا ماء ولا ثمر!

لتصبح هي سيدة الموقف التي لا تدخر وسعاً، وهذا ما جعل السعودي- بطبعه الوفي- لا ينسى لها فضلا، لتكون حاضرة لا تغيب عن المشهد، وهذا ما دفعه لتخصيص احتفائية سنوية تحت مسمى” مهرجان التمور” يعرض من خلاله نتاجها، ليكون لها رواجاً وذكراً حسناً!  

المبادرة الخضراء؛ العمق والهوية:

 النخلة تمثل هوية وطنية إذ تعد شعارا رسمياً لدولتنا تعلو السيفين المتقاطعين!!

 كما أن التمر والقهوة السعودية رمزية لكرم الضيافة كمتلازمتين لا تنفكان عن بعضهما!

إذ يعد ذلك الأرتباط دافع للتوسع في زراعتها في شوارعنا، في أرجاء مدننا، لتكون معالم حافلة بالخير والعطاء؛ جمالا وإثمارا!

 لتضحي عنواناً رئيساً لمبادرة- السعودية الخضراء- التي جعل منها سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان- حفظه ورعاه- نقطة تحول للعناية بالبيئة والاستزراع؛ إصحاحاً وجمالاً واكتفاء!!

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com