مقالات وآراء

تعطل الزواج: رؤية جديدة للفتيات  

خالد بركات
خالد بركات

إعداد: خالد علي راجح بركات

طلب مني زميل كتابة مقال موجه للفتيات يناقش تعطل زواج الفتيات والشباب بسبب طلبات ثقيلة ومطالبات غير منطقية، في ظل تغيرات اجتماعية وثقافية ومالية تختلف كلياً عن العقد الماضي. تمر السنين والعمر يمضي، بينما نمط التفكير لدى شريحة كبيرة ما زال حبيس عادات لا ترحم الجيب ولا الواقع، وكأن الزمن توقف عند رفاهية لم تعد موجودة. لذا نستعين بالله ونرتب الأفكار لنفتح باب التيسير ونعيد للزواج معناه الأول: سكن ومودة ورحمة.

الحياة اليوم امتلأت بالكماليات حتى زاحمت الأساسيات، وصارت تُرى وكأنها أركان لا يقوم الزواج إلا بها. وهذا واقع يتطلب وعياً جديداً يقوم على المشاركة من الطرفين وتخفيف التكاليف عن الشاب. يجب أن ندرك بصدق أن تكاليف الفرح والمظاهر ليست ضماناً لاستقرار الزواج ولا دليلاً على المحبة، بل كثير منها يتحول إلى ديون تُسدد من راحة البيت وطمأنينته بعد شهر العسل. التغاضي عن الزائد وجعل المطالبات في الحدود المقبولة هو أول خطوة لزواج يبدأ مستوراً لا مثقلاً بهمّ الأقساط.

ومع هذا الواقع لا بد من التخلي عن النظرة الضيقة التي تقفل الأبواب وتضيّق الخيارات. اليوم الشباب قادرون على التعارف الجاد عبر قنوات موثوقة تحفظ الخصوصية والجدية، مثل تطبيق “ملكة” المرتبط بنفاذ ومقربوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، فلا داعي للمبالغات في الشروط التي تعطل النصيب وتؤخر الخير. من تأخر زواجه لا يحتاج أن ينتظر سنوات حتى يجمع مئات الآلاف، بل يحتاج أن يؤمن أن التوافق أولاً، وأن الوسائل النظامية متاحة لمن صدق في البحث وأحسن النية.

وأخطر ما يعطل الزواج قيود المنافسات والتقليد الأعمى، تلك المقارنات التي تقول: “زواج فلانة كان كذا، فلازم زواجي أحسن”. لكل بيت ظروفه ولكل شاب طاقته، وليس على أحد أن يقلد أحداً ليُثبت قيمته. التعقل والتفكير الاستباقي يحمي من مشاكل لاحقة أبرزها الطلاق بسبب تراكم الديون وضغط الالتزامات. العاقل من يتعلم من أخطاء غيره ولا يكرر مشهد “فرح بأقساط، وحياة بهموم” صار مألوفاً للأسف.

ولذلك لا تفتحوا عقولكم لكل من هب ودب من ضيقي الأفق المبهورين بالمظاهر الفارغة. الزواج مسؤولية تحتاج فهماً ودراسة للواقع، لا أحلاماً خيالية تُبنى على مقاطع سوشيال ميديا. القراءة والوعي توسع الأفق وتصحح الأفكار السطحية، فخذوا الرأي من ذوي الخبرة والعلم والحكمة، لا من صديقات لم تختبرهن الحياة ولا من أسر ما زالت تعيش بعقلية زمن الطفرة التي ولّت. فهم الواقع والتغيرات التي طرأت على المجتمع أمر لا يمكن إغفاله، فالعيش بتفكير الماضي لا يتسق مع تحديات اليوم. التمسك بأمور قديمة دون فهم العوامل الاقتصادية والاجتماعية الحالية يعيق التقدم ويعطل الزواج، والمجتمع كله مطالب بتقبل التحديث وتبني طرق تفكير تتناسب مع المتغيرات المعاصرة. المرونة هنا ليست تنازلاً عن القيم، بل فقه عميق للواقع.

وحتى يتحول الكلام إلى خطوات، لا بد من حلول عملية يكون أساسها الثابت: الزواج بلا ديون ترهق الأسرة وتفتح باب الضيق والمشاكل بعد أيام الفرح الأولى. وكل أسرة تختار ما يناسب ظروفها دون الالتفات للأصوات غير الواعية التي تزن الناس بما أنفقوا لا بما بنوا. يمكن أن تكون الملكة على أهل الزوجة بشكل مختصر ودافئ يقتصر على الأقارب المقربين جداً في البيت، ويتحمل الزوج بعدها تكاليف ليلة الزواج الأساسية دون مبالغة، فيخف العبء على الطرفين ويُغلق باب “من يدفع ماذا”. ولمن أراد الاحتفال يمكن أن يكون زواجاً متوسطاً لا يتجاوز عدد مدعويه مئة وخمسين شخصاً، في قاعة مناسبة بضيافة راقية بسيطة، فالهدف إشهار الزواج وإسعاد الأهل لا استعراض يُدفع ثمنه لسنوات. وهناك خيار الزواج العائلي في قاعة فندقية متوسطة يمنح الخصوصية والرقي بتكلفة معقولة وعدد محدود وذكرى جميلة لا تتحول إلى همّ مالي. والأهم من مكان الحفل هو بيت الزوجية نفسه، فتقليص تأثيثه للضروري فقط بداية ذكية: غرفة نوم، ومجلس، ومطبخ عملي، والأجهزة الرئيسية، أما الكماليات والتحسينات فتُكمل بهدوء بعد الزواج وعلى قدر الدخل، فالبيت يُبنى على مراحل والحياة لا تتوقف على طقم سفرة أو تحفة إضافية.

وأخيراً، تقوى الله هي أول الأسباب وأبقاها. من أحسن النية واتخذ الأسباب ويسّر على عباد الله، أعانه الله ووفقه وبارك له. وأذكّر المربين والمعلمين والمعلمات بدورهم المحوري في توجيه فكر الفتيات والشباب، فغرس قيمة التيسير والمسؤولية وتحمل تبعات القرار في المدارس والجامعات يختصر علينا سنوات من التعطيل ويصنع أجيالاً تفهم أن الزواج سكن ومودة، لا ساحة سباق ولا دفتر فواتير. يسّروا ولا تعسّروا، يبارك الله لكم في البدايات والنهايات.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com