بين سطرين


قصة قصيرة
بقلم :منيرا العتيبي
في لحظة فاصلة بين الماضي وما تبقّى من القوة، تجد امرأة نفسها أمام ورقة تُلخّص سنوات من الصمت والانكسار. ثلاثة وجوه تنتظر قرارها، وصوت داخلي يتصارع بين الخوف والتحرّر. وبين سطرين فقط، تختار أن توقّع… لا استسلامًا، بل إنقاذًا لما بقي منها. قرارٌ يغيّر شكل الأبواب من خلفها، ويمنحها هواءً أوسع للمرة الأولى.
كانت الساعة تقترب من التاسعة حين وُضِعت الورقة أمامي.
طاولة خشبية، ضوء أبيض قاسٍ، وثلاثة وجوه لا تنظر إليّ… بل إلى قراري.
قالوا إن عدم التوقيع سيحفظ الاستقرار ويُرضي الجميع، ويُغلِق بابًا لا داعي لفتحه؛ قالوها بثقة من سيدفع الثمن… لا من سيتحمّله.
انزلق القلم نحوي، وارتطمت حافته الخفيفة بخشب الطاولة.
“فكّري بهدوء.”
نظرتُ إلى السطور. مرتّبة، واضحة… ومؤلمة.
كانت تذكّرني بكل ما حاولتُ دفنه: ليالي الصمت، الأبواب المغلقة، والانكسارات التي خضتها وحدي. لم تكن كلمات، بل خلاصة سنواتٍ كُتبت ببرود.
“وقّعي… وننهي الموضوع.”
رفعتُ عيني.
لم يكن في وجوههم خوفٌ عليّ، بل خوفٌ من اختلال ما اعتادوه إن تغيّرتُ.
أمسكتُ القلم. ارتعش طرف الورقة تحت أصابعي.
توقّف كل شيء.
مرّت السنوات في ذِهني دفعةً واحدة، وتذكّرتُ حين كنتُ أحارب وحدي… وهذه السطور كانت الدليل الذي لا يُنكر.
وفي داخلي، بصوتٍ هادئ هذه المرّة:
وقّعي… وأنهي الموضوع.
لم يكن ضعفًا…
كان آخر ما تبقّى مني يُنقذني.
ثبتت يدي.
امتدّ الحبر على السطر، بطيئًا، حاسمًا.
وقّعتُ.
انتهى الصوت، وبدأ الصمت.
اعتراضٌ مكتوم، نظراتٌ لا تُخفي استياءها، وكلماتٌ سقطت قبل أن تُقال.
لم أشرح. دفعتُ الورقة بعيدًا، كأنني أُخرجها من حياتي.
خلفي، أُغلِقَت أبوابٌ أعرف أنها لن تُفتح بالطريقة نفسها مرّةً أخرى.
خرجتُ.
الممر كما هو، الضوء كما هو، العالم كما هو.
لكن الهواء بدا أوسع… كأنني أتنفّس للمرة الأولى.
هناك، فهمتُ أن حياتي لم تكن في السطور التي كُتبت لتُمثّل ما كنتُ أعانيه،
بل في تلك المسافة التي تمنّيتها… ولم يروها.
هناك… بدأتُ أُكتب بين سطرين.











