في هذا المقهى العتيق حين تختلف رائحتان لا يعني ذلك خلافًا أو حربًا بل يعني أن القلب يتّسع لأكثر من عطر. هنا هنا في هذا الركن الهادئ تبدو (السعودية) كالشيخ الذي يجلس في الزاوية يقرأ صحيفته القديمة لا يتدخّل في حديث أحد لكنه يعرف تمامًا متى تكون النكتة ثقيلة ومتى يكون الصمت أبلغ.
في (الخليج الواسع) نترك السياسة لأهلها ونحتفظ بحقّنا في أن تكون قهوتنا مُرّة وحواراتنا حلوة. نحبّ جارنا لا لأن القوانين تقول ذلك بل لأن رائحة قهوته تصل إلى بيوتنا كل صباح وتذكّرنا بأن (الجوار قيمة إنسانية وهبة اجتماعية) لا تُشترى.
أعود إلى زاويتي ذاتها في المقهى الوطني أضع يدي على البقعة الدافئة من الطاولة كأنها ترحّب بي بعد غياب. النادل يبتسم من بعيد يعرفني ويعرف أوراقي ودفاتري ويعرف أنني أحمل معي دائمًا (علم السعودية) كجزء من طقوسي وذاكرتي.
تأتي القهوة قبل أن أطلبها كأنها جزء من هوية المكان. رائحتها تسبقها وتملأ الجدران المتشققة التي تحمل عبق الزمن القديم رائحة الورق والحبر والقصص التي لم تُكتب بعد أستنشقها بعمق كأنني أستعيد ذكريات ليست لي لكنها تسكنني.
أفتح دفتري الصغي ذاك الذي أكتب فيه (سلسلة “المقهى الوطني)
في الزاوية المقابلة شيخ يقرأ صحيفة قديمة يرفع عينيه نحوي بين الحين والآخر كأنه يعرف أنني سأجعله جزءًا من الحكاية أبتسم في سرّي وأكتب: (المقهى الوطني – حلقة جديدة من ذاكرة المكان)
تتسلل الشمس من النافذة العالية بخجل نها تخشى إزعاج الظلال الراسخة هنا. حتى الضوء في هذا المكان له خُلق خاص لا يصرخ، بل يهمس.
كل شيء هنا له قصة: الكرسي الخشبي الذي لم يجلس عليه أحد منذ سنوات، ويقال إن روح الأديب القديم ما زالت تعود إليه كل مساء. النادل الذي يمشي بخطى ثابتة وصوت يملأ المكان بهدوء. والوجوه التي تحمل تاريخًا طويلًا من الحكايات.
يسألني النادل بصوته الخافت: (ما زلتِ تكتبين عن وطنك؟) أجيبه بنظرة فقط. هنا الكلمات ثمينة نقتصد فيها ونخبئها للورق.
أكتب: في المقهى الوطني حتى الصمت له نكهة صمتٌ محشوّ بالقصص التي تموت على الشفاه وبالنهايات التي تبدأ ولا تُكمل. نحن جزء من ديكور هذا المكان جزء من ذاكرته الداكنة والجميلة.
أرفع رأسي فأرى شابًا في الزاوية البعيدة يكتب في دفتره. نتبادل نظرة اعتراف نحن من قبيلة واحدة… قبيلة الذين يأتون إلى المقاهي ليكتبوا عوالمهم بعيدًا عن العالم.
القهوة هنا لا تُشرب فقط بل تُستنشق وتُستشعر. هي الجسر بين الواقع الذي أتركه عند الباب والعالم الذي أدخله بين السطور في كل رشفة ذكريات لا أملكها وحكايات سمعتها همسًا وأرواح مرّت من هنا وتركت بصمتها على الجدران.
وحين أغادر، سأترك صفحة مكتوبة… وصفحة بيضاء تنتظرني في المرة القادمة. النادل سيمسح الطاولة ببطء، وسيبقى (الكرسي الفارغ) ينتظر.