مقالات وآراء

حنين الصور

المدينة المنورة ✍️ سمير الفرشوطي 

‎تبقى الصور شاهدة على لحظات عابرة من حياتنا. كل صورة تحمل في طياتها قصة، كل إطار يحبس لحظة من الزمن كانت ستضيع لولا ذلك الضغط على زر الكاميرا. ولكن ما سر تلك العلاقة الغامضة التي تربطنا بالصور؟ ولماذا نشعر بذلك الحنين الجارف كلما وقعت أعيننا على صورة قديمة؟

‎الصورة… بوابة الذكريات

‎تمتلك الصور قدرة سحرية على اختراق حواجز الزمن، فهي تنقلنا في رحلة لحظية إلى أماكن وأوقات قد تفصلنا عنها سنوات. صورة واحدة كفيلة بإعادة إحياء مشاعر كاملة دفنتها الأيام، وإيقاظ ذكريات ظننا أنها غفت إلى الأبد. يقف الإنسان أمام صوره القديمة كمن يقف أمام مرآة تعكس ليس وجهه الحالي، بل ملامح روحه التي كانت.

‎نلتقط الصور لنحفظ اللحظات من النسيان، لنقبض على الوقت المتسرب بين أصابعنا، ولكننا في الحقيقة نلتقط أكثر من مجرد ضوء وظلال – نلتقط مشاعر ورائحة وصوت لحظة معينة.

‎وجوه تسكنها الحكايات

‎في كل صورة عائلية يختبئ وجه تحن إليه، في كل لقطة مع صديق تكمن ابتسامة تثير فينا مشاعر متضاربة. نتأمل وجه أب لم يعد بيننا، أو صديق أخذته دروب الحياة بعيداً، أو محبوب تبدلت مشاعرنا تجاهه. تلك الوجوه في الصور لا تتغير، بينما نحن من نتغير.

‎وحين نتأمل صورنا القديمة، نجد أنفسنا أمام مفارقة غريبة – فنحن نحن إلى أشخاص لم نعد نلتقي بهم، وفي الوقت ذاته، نحن إلى أنفسنا التي كناها. نحن ذلك الإنسان في الصورة، وفي الوقت ذاته لسناه. تلك الصور تذكرنا بمرور الزمن وتقلب الأحوال، تخبرنا عن فرح عشناه ولم نعد نتذكره، أو حزن ظننا أنه سيدمرنا ثم تجاوزناه.

‎الصور تحن أيضاً

‎أليس غريباً أن نفكر بأن الصور نفسها قد تحن إلينا؟ تلك القصاصات الورقية أو الملفات الرقمية التي تحمل ملامحنا، ألا يمكن أن تشتاق هي الأخرى لأصحابها الذين هجروها في صناديق منسية أو مجلدات مهملة على الحاسوب؟

‎ربما تحن الصورة إلى لمسة صاحبها الذي كان يتأملها بعيون دامعة، أو يشاركها مع أصدقائه بفخر، قبل أن تُنسى في زحمة الصور الجديدة. ربما تشعر بالخذلان حين يمر عليها صاحبها سريعاً دون توقف، بعدما كانت يوماً محور اهتمامه.

‎ذاكرة تتحدى النسيان

‎إن الصور في جوهرها هي محاولة بشرية لتحدي النسيان، لمواجهة حتمية فقدان الذكريات مع مرور الوقت. نحتفظ بالصور كشهود على أننا عشنا، أحببنا، فقدنا، تألمنا، وفرحنا. إنها دليل وجودنا في لحظات معينة من الزمن، وإثبات على العلاقات التي ربطتنا بأشخاص آخرين.

‎ولكن الحنين، ذلك الشعور المعقد الذي يجمع بين الفرح والألم، يأتي حين ندرك أن الصورة مجرد ظل للحظة انقضت، وأننا لن نستطيع العودة إليها مهما حاولنا. الصورة تمنحنا الوهم بأننا نستطيع الإمساك بالزمن، بينما الحقيقة هي أن الزمن يمضي دوماً، تاركاً إيانا مع صور باهتة وذكريات متلاشية.

‎في الختام

‎إن حنين الصور ليس سوى انعكاس لحنين الروح الإنسانية إلى لحظات فارقة في الحياة. كل صورة نحتفظ بها هي اعتراف بأن تلك اللحظة كانت تستحق أن تُخلد، وأن ذلك الشخص كان يستحق أن يُذكر. الصور تبكي معنا وتبتسم معنا، وبين ثناياها تختبئ قصص لم تُروَ وكلمات لم تُقل.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com