مقالات وآراء

حين تتحول الشائعة إلى جريمة.. مسؤولية الكلمة في الفضاء الرقمي

بقلم: المحامية والمستشارة القانونية سجى آل شعبان

في زمن أصبحت فيه المعلومة تنتقل بضغطة زر، لم تعد خطورة الشائعة تكمن فيمن أطلقها فحسب، بل فيمن منحها طريقًا للانتشار دون تحقق أو وعي بعواقبها. فقد تتحول رسالة عابرة، أو مقطع متداول، أو تعليق غير مسؤول إلى وسيلة للإضرار بسمعة إنسان، أو المساس بخصوصيته، أو إثارة البلبلة في المجتمع.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن نتوقف عنده اليوم: هل مجرد إعادة نشر المعلومة يعفي صاحبها من المسؤولية القانونية بحجة أنه لم يكن مصدرها؟

إن الاعتقاد بأن المسؤولية تقع على منشئ المحتوى وحده اعتقاد غير دقيق من الناحية القانونية؛ فإعادة النشر قد تنشئ مسؤولية مستقلة متى توافرت الأركان والشروط النظامية للفعل المخالف.

وقد أولى المنظم السعودي حماية الأفراد والمجتمع في الفضاء الرقمي اهتمامًا واضحًا، إذ نصت المادة الثالثة من نظام مكافحة جرائم المعلوماتية على تجريم التشهير بالآخرين وإلحاق الضرر بهم عبر وسائل تقنيات المعلومات المختلفة، بعقوبة تصل إلى السجن لمدة سنة وغرامة خمسمائة ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

وهنا ينبغي التمييز بين حرية التعبير المشروعة وبين استخدام المنصات الرقمية للإساءة أو تضليل الآخرين؛ فحرية التعبير لا تعني إطلاق الاتهامات دون دليل، ولا تمنح صاحب الحساب حصانة من المساءلة عند الاعتداء على حقوق الآخرين.

كما أن سرعة تداول الأخبار لا تمنحها صفة المصداقية، وكثرة المشاركات لا تحول المعلومة غير الصحيحة إلى حقيقة. فالمسؤولية الرقمية تبدأ من وعي المستخدم قبل أن تصل إلى حدود النصوص النظامية.

ومن المهم التأكيد أن ليس كل خبر غير صحيح يُعد جريمة بالضرورة، وإنما يتوقف التكييف القانوني على طبيعة المحتوى، وظروف نشره، ومدى توافر عناصر المخالفة المنصوص عليها نظامًا.

إننا اليوم لا نحتاج إلى مزيد من سرعة تداول المعلومات بقدر حاجتنا إلى ترسيخ ثقافة التحقق واحترام حقوق الآخرين، وإدراك أن الكلمة المنشورة قد تترك أثرًا يتجاوز حدود الشاشة.

فالوعي القانوني ليس قيدًا على حرية التعبير، بل ضمانة لممارستها بمسؤولية، وحماية للمجتمع من أن تتحول الكلمة إلى وسيلة للإضرار بالآخرين.

ويبقى المبدأ الأهم:

ليس كل ما يُتداول يستحق النشر، وليس كل ما نستطيع نشره يحق لنا نشره.

المحامية سجى آل شعبان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com