مكة المكرمة خط أحمر.. ومن يهدد مقدسات المسلمين يواجه أمة لا تنحني


بقلم: الدكتور أحمد عبدالغني الثقفي
ليست مكة المكرمة مدينة عابرة في جغرافيا العالم، وليست الكعبة المشرفة بناء من حجارة تتجه إليه الأبصار فحسب، بل هي قبلة المسلمين، ومهوى أفئدة المؤمنين، وأقدس بقاع الأرض، ومهبط الوحي، ومنطلق الرسالة التي أضاءت للإنسانية دروب الهداية والحق.
ومن هنا، فإن أي خطاب يستهدف أمن مكة المكرمة، أو يتوعد الكعبة المشرفة، أو يلوّح بالاعتداء على المقدسات الإسلامية، ليس مجرد تطرف لفظي يمكن تجاوزه، بل انحدار خطير في الوعي الديني والأخلاقي، واستفزاز لمشاعر ما يزيد على ملياري مسلم في أنحاء العالم.
وقد أثار المنشور المتداول المنسوب إلى أحد الأصوات الحوثية، بما تضمنه من تهديدات للمقدسات، استنكارًا يستوجب موقفًا واضحًا وحازمًا. ومع ضرورة التحقق من صحة نسبة التصريحات إلى أصحابها، فإن المبدأ لا يحتمل المساومة: أمن الحرمين الشريفين ليس ساحة للمزايدات السياسية، ولا ورقة للابتزاز العسكري، ولا موضوعًا للتهديد تحت أي ذريعة.
أولًا: مكة المكرمة ليست هدفًا سياسيًا.. بل حرمة إلهية
قال الله تعالى:
﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25].
إن هذا الوعيد القرآني العظيم يكشف مكانة الحرم وحرمة الاعتداء عليه، ويؤكد أن انتهاك قدسيته ليس شأنًا سياسيًا عابرًا، بل اعتداء على حرمة عظّمها الله سبحانه وتعالى.
وقال تعالى:
﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 97].
فكيف يبلغ الغلو بأحد أن يجعل من بيت الله الحرام موضوعًا للتهديد، أو يتخذ من المقدسات وسيلة لإثبات القوة أو تصفية الحسابات؟
إن من يرفع شعارات الإسلام ثم يهدد قبلة المسلمين يقع في تناقض صارخ بين الدعوى والفعل؛ فتعظيم الشعائر لا يكون بالشعارات، وإنما بصيانة الحرمات وحفظ الأرواح واحترام المقدسات.
ثانيًا: المملكة العربية السعودية.. سيادة راسخة ومسؤولية تاريخية
إن المملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا، لم تتعامل يومًا مع خدمة الحرمين الشريفين باعتبارها مجرد وظيفة إدارية، بل حملتها أمانة دينية ومسؤولية تاريخية وشرفًا وطنيًا عظيمًا.
وقد سخّرت الدولة إمكاناتها لخدمة ضيوف الرحمن، وتوسعة الحرمين الشريفين، وتطوير منظومة الأمن والسلامة والخدمات، حتى أصبح أمن الحجاج والمعتمرين ورعايتهم من أبرز أولوياتها.
ومن يظن أن التهديدات الإعلامية أو الشعارات العدائية تستطيع النيل من سيادة المملكة أو زعزعة إرادتها في حماية مقدسات المسلمين، فإنه يجهل حقيقة دولة قامت على أسس راسخة، وتمتلك مؤسساتها السيادية والأمنية والعسكرية القدرة على حماية أراضيها ومصالحها وفق ما تقتضيه مسؤولياتها الوطنية.
إن الحزم السعودي ليس انفعالًا عابرًا، بل نهج دولة تعرف متى تتحلى بالحكمة، ومتى تمارس حقها المشروع في حماية أمنها وسيادتها.
ثالثًا: المقدسات ليست ميدانًا للمغامرات الأيديولوجية
إن أخطر ما في الخطابات المتطرفة ليس مجرد ألفاظها العدائية، وإنما محاولتها توظيف الدين في خدمة مشاريع سياسية وعسكرية، وتحويل المقدسات إلى أدوات للتحريض والاستقطاب.
فلا جماعة مسلحة، ولا تنظيم أيديولوجي، ولا قوة إقليمية، تملك حق تهديد مكة المكرمة أو المدينة المنورة، أو الادعاء بأن خلافاتها السياسية تمنحها شرعية المساس بأمن الحرمين الشريفين.
إن المملكة واليمن يجمعهما عمق تاريخي واجتماعي لا تستطيع الشعارات العدائية محوه، كما أن حماية المقدسات واجب يتجاوز الخلافات والمواقف السياسية.
رابعًا: لا تسامح مع التحريض على الحرمين الشريفين
كما تقع على المؤسسات الإعلامية مسؤولية كشف الخطابات المتطرفة، وتوثيقها بدقة، وتفنيد مزاعمها، وعدم السماح بتحويل المنصات الرقمية إلى أدوات لنشر الكراهية أو تبرير الاعتداءات.
فالكلمة التي تهدد المقدسات ليست بطولة، والخطاب الذي يزرع الخوف بين الآمنين ليس شجاعة، والتطرف الذي يتستر بالدين لا يمثل سماحة الإسلام وعدله.
خامسًا: رسالة وطن لا يساوم على مقدساته
نقولها بوضوح لا يقبل التأويل:
مكة المكرمة ليست موضع اختبار، والكعبة المشرفة ليست هدفًا للتهديد، والمدينة المنورة ليست مجالًا للمساومة، وأمن المملكة العربية السعودية ليس مباحًا لمغامرات الجماعات المسلحة.
اللهم احفظ مكة المكرمة والمدينة المنورة، واحفظ بلاد الحرمين الشريفين وقيادتها وشعبها، وأدم عليها الأمن والإيمان والسلامة والاستقرار، وأبطل كيد كل من أراد بمقدسات المسلمين سوءًا.







