مقالات وآراء

خذ‬ صورتك من رأسي

المدينة المنورة سمير منصور
لا نحتاج كاميرا لنوثّق الوجوه، ولا ألبومًا نحفظ فيه التفاصيل.
في عُمق العقل، هناك أستوديو خفيّ، يختزن كلّ ما مضى نظرات، ضحكات، دموع، ملامح خالدة.
خذ صورتك من راسي، عبارة نرددها أحيانًا ونحن عاجزون، لا عن الحذف، بل عن التحمّل.
كم من وجهٍ يطلُّ فجأة دون استئذان..
وجهُ من رحل، من أحببنا، من خذلنا، من عَبَر ولم يبقَ.
صورٌ لا يطويها الزمن، تعيش فينا أكثر مما عاش أصحابها حولنا.
نجد أنفسنا فجأة نصارع الذكريات، لا لأنها جميلة، بل لأنها موجعة.
مشاهد لا تُعرض على شاشة، بل تُبثّ في صمت داخلنا، في ساعة هدوء أو لحظة انكسار.
تبتسم لأنك تتذكّر ضحكة صديق، ثم تختنق لأنك تعرف أنه لن يعود.
تغمض عينيك هربًا، فتظهر ملامح أحبّهم قلبك يومًا، ثم أوجعه فراقهم.
العقل لا ينسى.
الذاكرة ليست سلة مهملات، بل مكتبة نبض، نُراجعها دون إرادة، ونُستدعى إليها بلا موعد.
لكلّ صورة حكاية، ولكل ملامح ظلّ يسكننا.
الوجوه التي مرّت بنا، تركت شيئًا لا يُمحى حتى من تمنينا نسيانهم.
نعم، كم من ناس غادروا الحياة، وتركوا خلفهم صورًا لا تموت
وأحبّة مضوا، وأصدقاء فرقنا عنهم القدر، وأوقات لم تُسجَّل إلا في قلوبنا.
لحظات جميلة، وأخرى جارحة كلها مطبوعة في ذاكرتنا، كأن الدماغ أستوديو لا يُغلق بابه.
لسنا أحرارًا في ما نتذكّر.
الوجوه تأتينا كما تشاء، في النوم، في الحديث، بين الزحام أو العزلة.
ولعل أقسى أنواع الاشتياق أن تتذكّر ملامح من تحب، دون أن تقدر على لمسهم.
فيا من تركت صورتك في رأسي
إما أن تعود كما كنت، أو خذها معك

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com