دع الخلق للخالق


بقلم: إبراهيم النعمي
قالوا قديمًا: “دعوا الخلق للخالق”، وهي حكمة بالغة تُعلِّمنا أن لا نتدخل فيما لا يعنينا، وأن نترك الناس وشأنهم. فليس من الأدب ولا من الدين تتبّع عيوب الآخرين أو الخوض في أعراضهم.
وقد جاء في كتاب الله عز وجل:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105]
وهذا توجيه رباني بأن نهتم بأنفسنا ونسعى لإصلاحها، دون أن نُشغل أنفسنا بزلّات الآخرين.
وحذّرنا رسول الله ﷺ من تتبع عورات الناس، فقال:
“من تتبّع عورة أخيه تتبّع الله عورته، ومن تتبّع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته”
رواه الترمذي.
هذا الحديث الشريف يبين أن من يفتّش في عيوب الناس فإن الله يفضحه، ولو حاول التخفي، فالجزاء من جنس العمل.
وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله:
لسانك لا تذكر به عورة امرئٍ
فكلُّك عوراتٌ وللناسِ ألسنُ
وعيناك إن أبدت إليك معايبًا
فدعها وقل: يا عينُ للناسِ أعينُ
وعاشرْ بمعروفٍ وسامحْ من اعتدى
ودافعْ ولكنْ بالتي هي أحسنُ
وكذلك قولهم: “كما تدين تُدان”، وهي قاعدة عظيمة في ميزان العدل الإلهي، فما تزرعه في الناس تحصده في نفسك، فإن أحسنت أحسنوا إليك، وإن أسأت نالك ما أسأت به.
ولا ننسَ قول أبي الأسود الدؤلي:
لا تنهَ عن خُلقٍ وتأتيَ مثله
عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ
ابدأْ بنفسك فانهَها عن غيّها
فإذا انتهتْ عنه فأنت حكيمُ
فهناك يُقبل ما وعظتَ ويُقتدى
بالعلمِ منك وينفعُ التعليمُ
الحياة الشخصية للناس، كبيرة كانت أو صغيرة، تظل سرًا بينهم وبين ربهم، ونحن إن أردنا الإصلاح فعلينا أن نبدأ بأنفسنا. فمن حاسب نفسه، سلم من تتبع غيره، ومن انشغل بعيب غيره، غفل عن إصلاح عيبه.
فلنحفظ ألسنتنا، ولنُشغلها بالذكر والدعاء بدلًا من القيل والقال، ولنتذكّر دائمًا: من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة.





