لا تنخدع باللمعان.. اقرأ الناس بأفعالهم


الكاتب / خالد علي راجح بركات
ليس شرطاً أن تكون طبيباً نفسياً لتفهم الناس، ولا أن تحمل شهادة في علم السلوك لتعرف الصادق من المتلاعب. يكفيك سلاح واحد وهبه الله لكل عاقل: الملاحظة. آباؤنا كانوا أميين لا يقرؤون ولا يكتبون، لكنهم كانوا يقرؤون الوجوه والمواقف ويُحسنون تقدير الرجال من أفعالهم لا من حلو كلامهم. وصدق القول: “المؤمن كيس فطن”. فلا تعارض بين أن تكون طيباً لطيفاً محترماً، وبين أن تكون قوياً يقظاً، بل إن المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، به تُحق الحقوق ويُستدل على الجوهر النقي.
افحص الناس ولا تنخدع بالمال ولا بالشكل ولا بالشهادات المعلقة على الجدران. المال قد يُشتري به الثوب ولا يُشتري به الخلق، والشكل قد يخفي قلباً مريضاً، والكلام المعسول قد يكون طُعماً. لذلك لاحظ. لاحظ كيف يتعاملون مع الضعفاء: العامل، السائق، الخادم. فمن احترم من لا يحتاجه، عرف معنى الإنسانية. لاحظ كيف يتصرفون في حضرة الربح المالي: هل يستبقون الحلال أم يقفزون فوق المبادئ؟ لاحظ وفاءهم بالوعود، فالوعد دين. لاحظ أصدقاءهم المقربين، فالمرء على دين خليله. لاحظ مواقفهم عند قول الحق: هل يقولونه ولو على أنفسهم، وهل يرجعون عن الخطأ إذا تبيّن؟
لاحظ تصرفهم عند الملمات والشدة، فالشدائد تكشف المعادن. لاحظ تواصلهم معك: هل يظهرون فقط إذا اقتضت مصلحة ثم يختفون؟ لاحظ برّهم بوالديهم وصلتهم بقرابتهم، فمن ضيّع الأقرب لن يحفظ الأبعد. لاحظ تعاملهم مع الوجهاء هل يحترمونهم حقا ام يتملقون؟ لاحظ نصرتهم للحق وشهادتهم بالحقوق ولو كانت مُرّة. لاحظ تطابق أقوالهم مع أفعالهم، فما أكثر من يُحسن القول ويُسيء العمل. لاحظ الإشارات الصغيرة أثناء تفاعلهم مع الناس: نبرة الصوت، نظرة العين، احترام الدور. لاحظ تعاملهم مع النساء: هل فيه صون وحياء أم استغلال وعبث؟ لاحظ حفظهم لعورات المسلمين وسمعتهم.
ولا يعني ذلك أن تدخل في صراعات أو عداوات أو كراهية وتعيش مع الناس في تحديات دائمة، بل احترام للجميع مع حكمة وقراءة للشخصيات. الفطنة أن تضع كل إنسان في موضعه المناسب، فتصاحب الأمين وتتعامل بحذر مع المتلون، دون ظلم ولا قطيعة بلا سبب. هذه المقالة للتوعية من المتلاعبين وأصحاب النوايا السيئة. ومع ذلك، يبقى الخطأ وارداً حتى على النبيه، فبعض الناس لا تظهر نواياهم في البدايات وتتكشف في النهايات. كم سمعنا عن زيجات بدأت بالرقص والغناء، وبعد سنوات ظهرت خفايا مؤلمة انتهت بالطلاق. لذلك، خاصة عند الزواج وبناء أسرة مستقرة، تنبّه للصفات أكثر من المظاهر التي تخدع العيون. اسأل، واستخر، وتمهل، وراقب السلوك في المواقف لا في الكلمات.
كن طيباً ولا تكن ساذجاً. كن محسناً ولا تكن مغفلاً. الفطنة لا تُلغي اللطف، بل تحميه. والقلوب الصافية تحتاج عقلاً يقظاً يسندها، حتى لا تكون لقمة سائغة لكل عابر يتقن التمثيل.





