ناجح وراسب في زمن الماضي

المدينة المنورة كتابة ✍️ سمير الفرشوطي
في غبار الذكريات، تتراقص صور الطفولة كأنها حلم بعيد. كنا أطفالاً بقلوب صافية، نركض في ساحات المدرسة دون أن نعلم أن تلك الأيام ستصبح يوماً كنزاً نحمله في قلوبنا.
كانت المدرسة عالماً مختلفاً تماماً عما نشهده اليوم. بساطة في كل شيء، لكنها بساطة تحمل في طياتها قيماً وأخلاقاً صقلت شخصياتنا.
كانت التغذية المدرسية وجبة منتظرة، تحتوي على ستة أو سبعة أصناف من الطعام بقيمة غذائية عالية – حليب طازج، بيض، جبن، تمر، وفاكهة موسمية، تُقدم لنا بحب لتنمي أجسادنا وعقولنا. وكانت المدرسة توزع بدلات رياضية تجعلنا نشعر بالانتماء والوحدة.
لكن ما يميز تلك الفترة حقاً هو هيبة المعلم. كان المعلم قامة شامخة، يدخل الصف فتسكت الأصوات وتتجه العيون نحوه باحترام مهيب. كنا نخاف منه، ليس خوفاً من شخصه، بل خوفاً من مكانته وما يمثله من علم وأخلاق. كان كلمته قانوناً لا يُكسر، ونظرته أقوى من ألف عصا.
ويأتي اليوم الموعود، يوم الشهادة، فتتسارع دقات القلوب. أتذكر ذلك اليوم جيداً – الشهادة المطوية بعناية، وعيوننا تبحث بلهفة عن نتيجة جهد عام كامل. علامة باللون الأحمر تعني الرسوب، وغيابها يعني النجاح. وحين تجد اسمك بين الناجحين، فرحة لا توصف تغمر قلبك الصغير.
أما الرسوب، فكان قصة أخرى تماماً. أتذكر خوفي من نظرات أبي وأمي حين أحمل إليهم شهادة تحمل علامة حمراء. وفي بعض البيوت، كان العصا في انتظار الطفل الراسب. يومها، كان العصا يتكسر على ظهري، مؤلم نعم، لكنه درس لن أنساه أبداً – درس علمني قيمة الاجتهاد وأهمية النجاح.
ربما تبدو تلك الأيام قاسية بمقاييس اليوم، لكنها صنعت جيلاً يقدّر العلم ويحترم المعرفة. كانت تربية صارمة، لكنها أثمرت شخصيات قوية تعرف معنى المسؤولية والالتزام.
ما أجمل تلك الأيام البسيطة! رغم صعوبتها، إلا أنها كانت أصيلة، نقية، خالية من تعقيدات العصر الحديث. كانت مدرسة الحياة الحقيقية، حيث تعلمنا أن النجاح يأتي بالعمل الجاد، وأن الفشل ليس نهاية المطاف، بل بداية لمحاولة جديدة.
تلك الذكريات، رغم مرور السنين، لا زالت نابضة بالحياة في قلوبنا، تذكرنا بزمن كانت فيه للكلمة قيمة، وللمعلم هيبة، وللنجاح طعم خاص يستحق كل التعب والعناء