مقالات وآراء

هل يؤدي الخضوع إلى سقوط التيار؟

بقلم / ولي علي ولي حدادي

قد يبدو هذا السؤال في ظاهره متعلقًا بالكهرباء، لكنه في حقيقته سؤال عن الإنسان، وعن القرار، وعن المسؤولية. فالتيار الكهربائي لا يسير في الأسلاك وحدها، بل تسبقه منظومة متكاملة من التخطيط، والتشغيل، والصيانة، وإدارة المخاطر، واتخاذ القرار.

وبحكم تخصصي في مجال الكهرباء، تعلمت أن لكل عطل سببًا، ولكل سبب منهجًا للتحقق منه. فالعمل الهندسي لا يقوم على الظن، وإنما على القياس، والتحليل، والاختبار، والبحث عن السبب الجذري، لأن الوصول إلى الحقيقة هو الأساس الذي تُبنى عليه سلامة الأرواح، واستقرار الخدمات، واستدامة المنظومات.

لكنني مع مرور الوقت أصبحت أؤمن بأن أقوى نقطة في أي منظومة ليست المعدات، وإنما الإنسان الذي يقف خلفها. فالمعدات لا تتخذ القرار، ولا تتحمل المسؤولية، ولا تراجع نفسها، وإنما الإنسان هو من يفعل ذلك. ولذلك فإن جودة المنظومة تبدأ من جودة العقل الذي يديرها.

ولا أقصد بالخضوع احترام النظام أو الالتزام بالمسؤولية، فذلك من أسس نجاح الدول والمؤسسات، وإنما أقصد الخضوع الذي يلغي التفكير، ويمنع المراجعة، ويجعل الإنسان يتخلى عن مسؤوليته في التحقق، أو يقبل الأفكار دون دليل، أو يبتعد عن المنهج العلمي الذي يحكم عمله وتخصصه.

ولهذا فإن السؤال الذي أطرحه ليس سؤالًا عن الكهرباء وحدها، بل عن الإنسان الذي يقف خلفها. فهل يكون الخضوع بدايةً لسقوط القرار؟ وإذا سقط القرار، فهل تبقى المنظومات بمنأى عن أثر ذلك؟

إنني أرى أن القرار هو أول عناصر الحماية في أي منظومة. فإذا كان القرار سليمًا، كانت الإجراءات أكثر دقة، وكانت الصيانة أكثر كفاءة، وكانت إدارة المخاطر أكثر قدرة على حماية الأرواح والممتلكات. أما إذا ضعف القرار، فإن التقنية وحدها لا تكفي لتعويض ذلك.

كما أرى أن المجتمعات التي تحترم العلم، وتدعم التفكير النقدي، وتعزز ثقافة التحقق، تكون أكثر قدرة على بناء مؤسسات قوية، لأن الحقيقة لا تُبنى على الانطباعات، وإنما على الأدلة، والتحليل، والمراجعة المستمرة.

وبحكم أننا نعيش في دولة تقوم على النظام، وفي مجتمع يجمع بين الحاكم والمحكوم، فإن المسؤولية مشتركة، وإن اختلفت باختلاف الموقع والاختصاص. فالحاكم مسؤول عن ترسيخ العدل، وتعزيز العلم، ودعم المؤسسات، والمحكوم مسؤول عن أداء الأمانة، واحترام النظام، والإخلاص في العمل، ورفع الملاحظات بالطرق النظامية، والتمسك بالحقيقة مهما كانت نتائجها.

ومن هذا المنطلق، فإنني أؤمن بأن بناء الإنسان يسبق بناء المنشآت، وأن بناء العقل يسبق بناء التقنية، لأن التقنية لا تحمي نفسها، وإنما يحميها الإنسان بعلمه، وأمانته، واستقلالية قراره.

 

ولهذا أؤمن بأن نهضة الأوطان لا تقوم إلا بالفكر، والعلم، والمعرفة، واحترام التخصص، وترسيخ العدالة، وتحمل المسؤولية. وهي المبادئ التي أسهمت في بناء المملكة العربية السعودية وتعزيز مكانتها، وأجدها متجسدة في المدرسة التي رسخها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله ورعاه، والقائمة على بناء الإنسان، ودعم العلم، وترسيخ المعرفة، واحترام مؤسسات الدولة، لأن الإنسان الواعي هو أعظم استثمار، وهو الضمان الحقيقي لاستمرار التنمية، وجودة القرار، وسلامة المنظومات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com