ولادة فكرة بيت مليء بالفرح، صوت البهجة يعلو المسامع.


الكاتبة / إيمان عبدالله الصانع
كان الزمن قديمًا يروي حكايات تخويف، يهدف بها الأهل إلى زرع الحذر في قلوب أطفالهم. لكن وسط ذلك الزمان، تخرج حكايات نادرة، تحكي عن أبطال عصاميين رسموا مساراتهم بأنفسهم. واحدة من هذه الحكايات كانت تُروى على كرسي خشبي قديم، أمام باب بيت أبو حمد حيث يجتمع الأصدقاء والأقارب في عصريات هادئة، يتبادلون الأخبار عن السياسة، الطقس، والعلاقات الاجتماعية.
في يوم من تلك الأيام، جلس الجميع حول أبو أحمد، الرجل الحكيم الذي طالما كانت له قصة يرويها. هذه المرة، قرر أن يحكي عن ولادة فكرة.
“فكرة” لم تكن مجرد اسم، بل كانت ثمرة جهد أب وأم عصاميين، نظاميين، خططا لمسار عائلتهما منذ اللحظة الأولى. والد فكرة كان جنديًا في القوات المسلحة، صارمًا، منظمًا، يفهم معنى التضحية والتخطيط. أما والدتها، فهي معلمة دين في مدرسة للبنات، تربوية بحكم عملها، تجمع بين التعليم والقيم الدينية.
رغم صعوبة الحياة وارتفاع الإيجارات، اجتمع الأبوان على هدف واحد: بناء منزل دافئ صغير في حيّ هادئ يناسبهما وأطفالهما. ولم يكن هذا القرار مجرد حل اقتصادي، بل رمزًا للتضامن بينهما، إذ استطاعا خلال سنوات قليلة تجهيز هذا المنزل ليكون مكانًا يحتضن طموحاتهما وأحلامهما.
وفي وسط هذا المنزل، ولدت فكرة، طفلتهما التي ملأت البيت بالبهجة منذ لحظتها الأولى. فرح الوالدان بها فرحًا لا يوصف، وسرعان ما عمّ الفرح بين الأقارب والجيران، ووزعت العقيقة بعد سبعة أيام من ولادتها. الهدايا توافدت من الأجداد، الأعمام، والخالات، لكن أعظم الهدايا كانت الرعاية الصادقة التي أحاطتها بها والديها.
باعتبار والدتها معلمة، لم يكن الاهتمام بتربية فكرة أمرًا عاديًا. فالوالدة لم تكتفِ بالتربية التقليدية، بل استثمرت في تعليمها كيف تفكر، كيف تحلل، وكيف تتفاعل مع العالم من حولها. أما والدها، برتبة الجندي، فكان يزرع فيها الانضباط والقوة. لم تكن حياتها مجرد دروس، بل كانت مزيجًا من التخطيط والحنان.
كبرت فكرة، وتحوّلت إلى وردة جميلة تزين هذا المنزل. شغفها لم يكن محدودًا، بل امتدّ ليشمل كل مجال علمي وثقافي. كانت قارئة نهمة، وكاتبة مبدعة. طموحها لم يتوقف عند حدود المنزل، بل تجاوزته إلى كل مكان، حيث أصبحت معلمة ومرشدة لكل من حولها.
ثم جاء اليوم الذي قررت فيه فكرة أن تحفظ حقوقها. سجلت فكرتها في مكتب الملكية الفكرية، ليس فقط لنفسها، ولكن كتعبير عن شكرها لوالديها الذين ساعداها على النجاح. لم يكن إنجازها عاديًا؛ بل كان أشبه بنغمات موسيقية تتناغم مع الحياة، ترتفع في إيقاع جميل، لتعلن عن نجاحها للعالم.
بفضل دعم والديها، الذين أحسنوا تربيتها، أصبح لفكرة شعار يميزها، وانتشرت في كل مكان. أصبحت تملك العديد من المتاجر التي تبيع هذه الفكرة، فكل من يعرفها كان ينبهر بطرحها المميز.
لكن، ليست كل الأفكار محظوظة. هناك أفكار تولد وتموت لأنها لم تجد الرعاية الكافية. فكرة كانت استثناءً. كانت واحدة من القلائل الذين نضجوا بفضل الاهتمام والحب الذي أحاطهم.
عندما تأتيك فكرة، لا تدعها تهمل وتموت. كن لها كالوالد الذي يرعاها، صديقًا يصقلها، وعائلة تدعمها. فهي كالنبتة الصغيرة، تنمو وتزدهر حين تُمنح الرعاية، الحب، والدعم العاطفي والمادي. حينها فقط، ستنضج وتثمر، وتصبح علامة مضيئة في حياتك.




