الشكر والتواضع.. حين تسمو النفس عن الكبرياء


اعداد/نوال أحمد
لا يجتمع الشكر مع الكبرياء في نفسٍ واحدة،
فالشكر خُلُقٌ ينبع من قلبٍ يعرف قيمة النعمة، ويُدرك أن ما يملكه الإنسان من خيرٍ وفضلٍ ليس مبررًا للتعالي على الآخرين، بل دافعٌ للامتنان والتواضع وحُسن التعامل مع من حوله.
إن النفس التي اعتادت التكبر، وأصبحت تنظر إلى كل ما حولها نظرة استصغار، لا ترى في الآخرين ما يستحق التقدير، ولا تدرك أن النعم التي تتباهى بها اليوم قد تكون اختبارًا لها قبل أن تكون مصدر فخرها. فتراها تعتقد أن ما تمتلكه لا يليق إلا بها، وأن مكانتها تمنحها الحق في التقليل من شأن غيرها، وكأن ما وصلت إليه من نجاح أو مكانة أو مالٍ هو استحقاقٌ مطلق، لا فضل فيه لأحد، ولا نعمة تستوجب الشكر.
وهنا تكمن المشكلة؛ حين تتحول النعمة من بابٍ للشكر إلى وسيلةٍ للتعالي، ومن سببٍ لاستشعار فضل الله إلى أداةٍ لقياس الناس والحكم على قيمتهم. فالإنسان المتكبر لا يرى إلا ما يملكه، بينما الإنسان المتواضع يرى النعمة ويعرف قدرها، ويُدرك أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما في يده، بل بما يحمله قلبه من أخلاق، وما يتركه في نفوس الآخرين من أثرٍ طيب.
فالشكر ليس كلمةً تُقال باللسان فحسب، وإنما خُلُقٌ يظهر في السلوك، وتواضعٌ ينعكس على التعامل، وامتنانٌ يمنع صاحبه من الاستعلاء على الناس. فمن يشكر الله على ما أنعم به عليه، لا يجعل نعمته سببًا لإهانة غيره، ولا يتخذ مكانته وسيلةً لإشعار الآخرين بالنقص، بل يعرف أن لكل إنسانٍ قدره، وأن اختلاف الأرزاق والمكانات لا يمنح أحدًا حق الانتقاص من الآخرين.
وليس التواضع أن يُنكر الإنسان ما حققه من نجاح، أو يقلل من قيمة ما وصل إليه، وإنما أن يعرف قدر نفسه دون أن يتجاوز قدر غيره. فهناك فرقٌ كبير بين الثقة بالنفس والغرور، وبين الاعتزاز بالإنجاز والتكبر به؛ فالثقة تمنح الإنسان قوةً دون أن تسلب الآخرين مكانتهم، أما الغرور فيجعله يرى نفسه فوق الجميع، وكأن الحياة لم تمنح سواه خيرًا، ولم تفتح لغيره أبوابًا من العطاء.
ولعل من أعظم ما ينبغي للإنسان أن يتأمله أن النعم لا تدوم على حالٍ واحدة، وأن الأحوال تتغير، وأن ما يملكه اليوم قد يفقد بعضه غدًا، وأن القوة قد يعقبها ضعف، والغنى قد يعقبه احتياج، والصحة قد تتغير، والمكانة قد تزول. وليس المقصود أن يعيش الإنسان خائفًا من زوال نعمته، بل أن يعيش شاكرًا لها، متواضعًا بها، بعيدًا عن الغرور الذي يُعمي البصيرة ويُفسد العلاقات ويجعل صاحبه يخسر قلوبًا كان يمكن أن تكون له سندًا في الحياة.
إن شكر النعم مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون تعبيرًا لفظيًا؛ فحين يُرزق الإنسان مالًا، يكون شكره في إحسانه وعطائه، وحين يُمنح علمًا، يكون شكره في نفع الآخرين به، وحين يصل إلى مكانةٍ عالية، يكون شكره في عدله وتواضعه وحفظه لحقوق الناس. فلكل نعمةٍ شكرٌ يناسبها، وليس من شكرها أن يتخذها الإنسان وسيلةً للتفاخر أو الانتقاص من شأن من لم يُرزق مثلها.
ومن المؤسف أن بعض النفوس لا تُدرك حقيقة النعمة إلا حين تفقدها، ولا تعرف قيمة من حولها إلا حين يغيبون، ولا تشعر بأثر كلماتها القاسية إلا عندما تجد نفسها وحيدةً بعد أن تنفضّ عنها القلوب. فالتكبر قد يمنح صاحبه شعورًا مؤقتًا بالتفوق، لكنه لا يصنع محبةً صادقة، ولا يزرع احترامًا حقيقيًا، بل يترك خلفه مسافاتٍ من النفور والجفاء، ويجعل الإنسان يخسر ما لا يستطيع المال أو المنصب تعويضه.
إن أجمل ما في الإنسان أن يملك النعمة دون أن تستعبده، وأن يعتز بنفسه دون أن يتعالى، وأن ينجح دون أن يُشعر الآخرين بالفشل، وأن يرتفع قدره دون أن ينظر إلى الناس من علٍ.
فالحياة لا تحتاج إلى مزيدٍ من النفوس التي تتباهى بما لديها، بقدر حاجتها إلى نفوسٍ تعرف كيف تشكر، وكيف تُقدّر، وكيف تمنح الآخرين حقهم من الاحترام. فالإنسان لا يُقاس بما يجمعه من نعم، وإنما بما يصنعه بهذه النعم، ولا ترتفع مكانته بكثرة ما يملكه، بل بما يتحلى به من أخلاقٍ تُبقي له أثرًا طيبًا في القلوب.
وفي النهاية، يبقى الشكر عنوان النفس الواعية، والتواضع دليل القلب السليم، أما الكبرياء الذي يدفع الإنسان إلى رؤية الآخرين دون قدرهم، فليس رفعةً كما يتوهم صاحبه، بل حجابٌ يحول بينه وبين حقيقة نفسه.
فمن أراد أن يحفظ نعمته، فليحفظ معها تواضعه، ومن أراد أن يرتفع قدره، فليترفع عن احتقار الناس؛ لأن النعمة التي لا تُهذّب صاحبها، قد تتحول في نظره إلى سببٍ للغرور، بينما النعمة التي يصحبها الشكر والتواضع تصبح بابًا للخير، وعنوانًا لنُبل النفس وسمو الأخلاق.







