مقالات وآراء

أبحث عنك

بقلم : علي القريني 

الفتى إبراهيم يبحث عن ربه في الفلك؛ من الكوكب الدري حتى الشمس ولم يجده بينها ، عندما ارتقى بروحه عرف أن خالق هذه الآلهة الغاوية هو الله رب كل الوجود،  أليس للبحث والتقصي معاناة يعيشها الباحث عن كل شيء؟ من يدري كيف هي مرارة البحث عن الحقيقة لربما في شيء من الأحيان تودي بقاصيها.

نحن جاهلون لكل سعة علم فقط العالم العليم الخبير هو شامل على كل العلوم ،  ترتسي أرواحنا بين رفيقاتها على موانئ الحياة،  فهناك أراضي وعرة وسهلة، جادبة وخصبة، ضيقة وشاسعة، مكتظة وخالية،  لا ندري إلى أين نصل ، ولا يعني أننا في أرض تحل فيها رحالنا سنستقر عليها.

وفي أحيان أخرى وإن بقينا في حلقة النار من أطراف الأرض لا تلبث إن تتآكل أطرافها ،  فتظل لا تقرأ أبجديات الاتصال الروحي والألفة. هي إذن قسوة البحث عن ذلك المجهول واللا معلوم.

اشتراط شيماء لمهرها بسيف ابن يحيى لتكبد من يبحث عنه مشقة طويلة متعددة الأشكال لمن سيبحث عنه لربما يكلف ذلك الشهم الشجاع حياته.

البحث لا يمكن أن يخلو من الشغف القوي تجاه أي أمر لحاجته للمرام المرجو ،  فلحظات البحث عن الحاجة إلى الاكتمال والاقتران دامية على القلب بكل معنى الكلمات التي تكون كل لغات البشر المتنوعة.
من الأديان السماوية الثلاث اليهودية والمسيحية، ودين الإسلام؛ جميعها جاءت لتنهي حروب ضارية للباحثين عن الحقيقة فتشوا عن أصولها في كل مكان وزمان كل على حسب إدراكه وقدراته ،  ولا شك في ذلك للعظماء في ربوع التاريخ كانوا لهم أصدقاء يسندونهم ويعاونوهم على نيل شرف العظمة ،  حتى أنبياء الله العظيم كانوا يعتمدون على أصحابهم في تلبية دعوة الله. فما أنا بمعزل عن هؤلاء العظماء لا أضع نفسي في المقارنة بما قدموه للبشرية وأعزي نفسي بالقادم الذي يرتقبني بعون الله.

فأنا احتاج لك معي لحمل تلك الرسالة العظيمة. بحثت عنك في كل مكان، وبين كل الأجناس، واختلاف الألسن والألوان، فتشت عنك بين صفحات الكتب وفصول الروايات ولم أجدك.

جميع محاولاتي لم تنجح في سبيل نيل شرف الصداقة الحقيقية. حتى بين المسافرين الغرباء بحثت عنك. ولم أترك الأثير يحوم بالكثير إلا تقربت منهم. ولكن فقدت كل أمل مضيء يشعل شمعتي المتوهجة والمتوقدة فتيقن أيها الصديق فأنا لن أمل في استمرارية البحث عنك وإن كلفني الأمر فقد حياتي فلا بأس بذلك. .

الصحبة أو الصداقة جزء لا يتجزأ من علاقات الأفراد. فحبذا لو يكرم المرء بصاحبه ، في قصير القصص وطويل الروايات حضر الصديق بين الشخصيات المؤثرة على الأبطال ، فهل أنا بمعزل عن هذا الحظ؟ من أنا حتى أكون بلا صديق أسعفه وأنقذه وأمسك بيده لأحميه من قسوة الحياة وهجيرها؟ .

هل حقا هي الوحدة الصديق المقرب لي عبر كل مراحل حياتي؟ هل تراني شخص سيء لا يقدر الصداقة بمعناها الثري العظيم؟ أم أنني فقدت صفة الإخلاص والوفاء لك؟ لماذا في سطوة المعاناة لا تضعني بين راحتيك أو تهمس لي بكلماتك المشجعة على النهوض؟ .

في وقت المتعة والطيش أينك عني؟ أتريد أن تتركني بين وحوش البراري بمفردي ولا سلاح معي؟ أين معضدي الذي يتوكأ على عصاك من قهر الظلم وبطش الجبابرة؟ أسئلة كثيرة وكبيرة تراودني في طريقي إلى البحث عن ذاك الصديق الصادق الوعد الصدوق.
لا أكره التقاء الأحباء والأصدقاء ولكن شعور الغبطة ينتابني وأحيانا انكسر من حرارة الذكرى أو فقد الأمنية،  أعيش أحداث الأصدقاء بكل تفاصيلها. ، أسافر مع خيالاتي في تبادل أطراف الحديث بين الصديقين الذي يخلو من كل رسمية وحدود.

فأنا الآن، التكلم في هذه اللحظة من دون أي تكلف. شعور الارتياح وعدم الخوف في ظهور طبيعة الشخص مع صديقه الآخر شعور يريح القلب من تسلط التصنع.

عيوبي وميزاتي تبدو بارزة وواضحة مع صديقي هي في الحقيقة مفقودة ولا تقترب لعالم التطبيق. فقط تبقى حبيسة الخواطر والأفكار.

الحماس الذي يجتاح الأصدقاء في مد يد العون لرفاقهم عائم داخل طيف الخيال لم يكن واقعا. الاستجمام والسفر والتمتع بالأماكن مع الأصدقاء لا نصيب لي فيه ،  ارتداء نفس الملابس وشراء نفس العطر أفتقده حقا لأني لم أعيشها هذه اللحظة.

تبادل الهدايا في العادة يكون من طرف واحد قلما شعرت بفرحة الهدية من صديق بداعي الصداقة. حفظ الأسرار وخفاء حقائق عن الجميع لا يعلمها إلا اثنين هو نادر الحدوث ،  جملة لا قيمة لمعنى الصداقة المنشودة لأننا في زمان يبحث عن المادة قبل الروح إلا ما رحم ربي وهم نادرون حقا ، فالسعي نحو الماء ليس كمطاردة السراب.

صديقي كلمة مهدمة ومدعمة للمشاعر بكل نقطة تضع على الحروف. لطالما بحثت عنها في شتى الأشياء. فلم أجدها مع كل تلك المتاهات التي وقعت فيها بين جموع البشر. منذ براءة سلوكي بدأت أشق طريقي نحو البحث عن الركن الشديد، والند العتيد، والحب الجديد، والعزم الحديد، يناديني وأناديه، نتقاسم معا هموم الحياة، التضحية والإيثار بيننا سمة، نعيش جملة وتفصيل مغامرات الأيام، لا يتركني وإن صددته، لا أدعه في وحدته وإن أبعدني عنه. تجاوزنا كل الحدود في جميع حواجز العلاقة الصادقة. لا أمله ولو في ضعفه، فقره، مرضه، خطأه، ولا حتى هجره أحيانا ، يرشدني في ضلالتي ويأمرني بالمعروف وينهاني عن المنكر، وإن بغيت عن الطريق السوي يعصمني. وهو من ناحيتي يرتجي من صداقتي ما أرجوه منه.

نحن معا حضوريا وغيابيا. نحفظ الود ونرعاه ونقطف ثمار الحب العفيف الطاهر للوصول لشرف الصداقة الصادقة الزاكية لأرواحنا من كل ما يشوب الأنفس المريضة والقلوب السقيمة من كل الأحقاد.

هناك في الأفق الأعلى وعلى حد نظرة العين؛ في الشروق الشمس بنوره ودفئها لا يستغني الصباح عنها. وفي الليل خيام الظلام موشحة كل ليلة ولا يلغي نور الدر، وضياء النجم سواده وهدوء الليل بل يقذف حضوره على كل شبر في الأرض. والبشرى للصادقين والصابرين والناهجين لكل كل الأهداف ، فتضيع متاهات البحث في أول واحة من وجود التقارب والانسجام في الاهتمام وبلوغ المرام في حقل من حقول الحياة المتنوعة.

الملك أصدقاؤه ليسوا بقلة، والتاجر الثري له أن ينتقي من الأصدقاء ما يشاء، والأديب بأدبه يتنافس عليه الأحباب والأصدقاء فمن بين الأزهار يقطف ما تحيى به روحه. لا يشغلنا البحث عن الصديق من وجود ذاتنا وحجز مقعدنا في مراكز الخلود والبقاء، أو نورنا المتوقد في غلس الصحاري الشاسعة يرتاده كل من وجد ضالتها في الطريق. فالمجد يزهر بالأصدقاء ويزيد إشراقا. ولا يحير المرئ في نفسه ولا يضل عنها. وفي معارض الحياة ومؤتمراتها المعقودة، ما زلت أنا الباحث عنك يا صديقي فهل سأجدك؟

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com