الباحثون عن الحب في زمن الجفاف


بقلم: خالد بركات
في زمن التسارع الرقمي والمنافسة الشرسة، تحولت الحياة إلى ساحة مصلحية قاسية. فقد الإنسان قدرته على الإحساس العميق، وغابت معاني الحب والوفاء والشوق والرحمة والتعاطف. أصبح الجفاف العاطفي ظاهرة عامة؛ نراه في أعين الأبناء الذين يبحثون عن حضن لم يعد موجودًا، وفي نظرات الأزواج الذين يعيشون تحت سقف واحد وقلوب متباعدة، وفي وجوه الأقارب الذين يلتقون دون أن يلتقوا.
هذا الجفاف لم يأتِ صدفة؛ إنه نتيجة طبيعية لثقافة تُمجّد القوة والنجاح المادي على حساب النفس الإنسانية. فصار التعبير عن المشاعر السلبية (الكراهية، الغضب، اللامبالاة) أسهل من التعبير عن الحنان أو الشكر. وهكذا انتشرت «الكسور الوجدانية» حتى أصبح البحث عن الحب الحقيقي يشبه البحث عن ماء في صحراء.
هنا يبرز دور المثقفين والأدباء والشعراء والمفكرين كأطباء للروح. ليس دورهم الترفيه أو التسلية، بل إصلاح البوصلة الوجدانية. عليهم أن يعيدوا للناس لغة القلب دون أن يتركوا العقل في الخلف. يجب أن يكتبوا نصوصًا تجمع بين صدق العاطفة ورزانة الفكر، حتى لا نغرق في العواطف الجياشة أو نجف في برودة العقلانية المفرطة.
المثقف الحقيقي هو من يزرع الأمل في أرض الجفاف، ويذكّرنا أن الإنسان بدون عاطفة يفقد أحد أهم ركائز وجوده. إن أعادوا لنا القدرة على الشعور بصدق وتعبير رشيد، فإنهم لن يصلحوا النفوس فحسب، بل سيصلحون المجتمع كله.





