ثقافة و فنمقالات وآراء
ترند الآن

(الجزء الثاني/ حوار على بئر مدين )د. محمد أبواليزيد أبوالحسن

أشجان الخافي - السعودية

 

 

حوارٌ على بئر مدين

“ولما ورد ماء مدين وجد أمة من الناس يسقون”؛ هنا كثرة من الخلق؛ تجتمع على فعل واحد؛ ينم على مصلحة شخصية؛ لا يساعد فيهم أحدٌ أحدا؛ وإلا كانت البنتان أولى إن كان في الناس خير، لكن ربما هناك فرد واحد يقوم مقام جماعة  كاملة؛ كذلك موسى “وجد من دونهم امرأتين تذودان…”؛ وكل امرأة تحمل الحياء في نفسها؛ تذود عن عرضها، كل امرأة تحمل الحياة؛ تقف من دون الرجال، ولا تقترب إلا لضرورة. كل امرأة تحمل الحياة  تأخذ عهدا على نفسها أن تحفظ نفسها بعيدة عن الشبهة.ويبقى الرجل رجلا بتعامله؛ “قال ما خطبكما…”، يخاطب الفتيات بصيغة الجمع لا المفرد، فمخاطبة المفرد في وجود الجمع خطاب موجهة ويثير الشك في مقصده؛ حتى وإن صلحت فيه النية؛ فللشيطان مسالك وأزقة ودروب.

ولما كان الرجل رجلا كانت المرأة العاقلة عقيلة؛ وردت بالأسلوب نفسه الجمع لا المفرد حين وصف لنا ربنا ردهما على موسى، “قالتا…”؛ فالجواب مشترك بلسان الاثنتين؛ حتى لا يحمل دلالة الخطاب المفرد الموجه؛ وكأنّ صورة الألف ” ا ” مرسومة  بعد نقطتي التاء في الكلمة تشير إلى الفاصل بينهن وبينه كالحجاب الساتر لهن دونه؛ قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء…قاعدة ثابتة لهن في كل مرعى؛ في الماضي والحاضر والمستقبل كذلك؛ شيء متكرر تفعله البنتان، “نسقي” مضارع يدل على تجدد الفعل في كل يوم؛ فعل مُتعب؛ لكنه يحفظ لهما كرامتهما لفرط حيائهما وعصمتهما، ولا تستبعد أن إحداهما يومًا دعت  الله تعالى أن يخلصهم من هذا العمل الشاق؛ فأرسل الله لهم موسى من مصر يهرول على قدميه.وقد كان أبوهما ” شيخ كبير…”؛ قال العلماء: إن البنتين هنا تعللان الخروج؛ فالخروج في ذاته ليس ممنوعًا ولا محرمًا كما يظن بعض المتشددين؛  لكن لابد أن يكون لعلة تسانده، وكأنّ الجملتين للبنتين: قالت واحدة تعلل عدم الاختلاط  بالقوم حياء :”حتى يصدر الرعاء”؛ أي حتى ينتهي الناس وينصرفوا، والأخرى تعلل الخروج لكبر أبيهما وقعوده عن العمل؛ فهو متقاعد، وليس لهما من يعولهما.“فسقى لهما” سرعة الاستجابة من موسى توحي بنقاء المروءة التي تحركه، وكأنّ السقي جاء لله في صورة عطفه على حالهما؛ أي سقى لأجل حالتهما، وتكرمة لأبيهما الشيخ الكبير، وكلمة سقى تحمل معنى الري للبنتين كذلك؛  فسعادتهما بالموقف روت منهما ظمأ معنويًا كبيرًا تشعران به، بل تعيشانه منذ فترة، وهو الحاجة إلى رجل شهم كريم كهذا يسدل عليهم من رجولته سترا وكرما وكرامة.

الكاتب :

د. محمد أبواليزيد أبوالحسن

(الجزء الثاني/ حوار على بئر مدين )

 

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com