الكاتب : فلاح بن علي الزهرانيمقالات وآراء

الحج .. انضباط وتعظيم

بقلم: فلاح بن علي الزهراني

الحج تظاهرة إيمانية حاشدة، تذوب فيها الفردية لتتسق في مسيرة روحانية تتجرد خلالها من مشاكسات الحياة ومشاغلها لتحلق لعوالم النقاء والارتقاء؛ انسياقا طوعيا تعبديا في خط سير واضح المعالم دقيق التفصيلات، بخطواتٍ تراتيبية زمانية ومكانية، بتجلياتٍ لا تقبل التأويل أو التحريف، لتضع المسلم أمام محجة بيضاء لا يزيغ عنه إلا جاهل أو متجاهل!!

إن مما يجعل الحج من أعظم القربات كونه وعاء جامع لجميع العبادات من صلاة وصيام وصدقة، وكأنما هو باقة عرض ذهبية، يحصل الحاج من خلالها على براءة من الذنوب كمكافأة غالية لمن أجاد آدائه بالصيغة المشروعة نصًا وتأسياً، بأركانه وواجباته وسننه التي لا مجال للاجتهاد فيها، كون العبادات وقفية في قوالب جاهزة للتطبيق دونما زيادة أو نقص، لقوله ﷺ 🙁 خذوا عني مناسككم)، وقوله ﷺ 🙁 صلوا كما رأيتموني أصلي) وهذا ما يعظم أمر هذه العبادات كفروض ثابتة على مر الأزمان، كونها ذات مرجعية تشريعية ثابتة” القرآن الكريم والسنة النبوية” تحيطها قدسية مهيبة تزيد من إجلالها، تأكيد على الرقابة الذاتية( التقوى)، لقوله تعالى:( {ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج : 32]

الحج عبادة مركبة؛ مضاعفة الأجر، عظيمة الأثر، لقوله ﷺ 🙁 الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)، وذلك لما ينطوي عليه من جهد ومشقة وعناء ومكابدة، بدءاً بالتهيؤ النفسي وإعداد العدة للترحال، سيما إذا ما بعدت الشقة، وزادت المشقة، ولما قد يتعرض له الحاج من المخاطر والمتاعب، أو ما تستلزمه رحلة الحج من ترويض للنفس على الامتثال لنهج الشرع، وإرغامها على الصبر والتحمل؛ حفظاً للسان عن اللغو والرفث، والجوارح أن تصيب أحداً بأذى؛ كي لا يخسر الرحلة فيعود كسيراً حسيرا، وليظفر بالبراءة والأجر والنجاة، لقوله ﷺ 🙁 من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) 

إنه بحق جهاد يُكسب المسلم التحمل لمواجهة ظروف الحياة ومشاقها، كما يكبح جماح النفس عن أن تتطاول على غيرها أو تقترف ذنباً أو إثما عظيما.

إنه تربية خلقية وسلوكية تطوع النفس على الرضوخ لأمر الله؛ تجرداً وترفعًا وتطهراً من كل ما يعكر صفو الحج أو يتسبب في الإخلال بالأنظمة المنظمة التي تضمن سير الحج بسلام وسلاسةوأمان، والتي تحكم آداء الشعيرة بطمأنية وراحة ورفاه!

الحج سلوك حضاري، آداب وأخلاق، نظام وانتظام، هدوء وسكينة ووقار .. استحضاراً لعظمة الله؛ إقدارا لجلاله- سبحانه وتعالى- ورقابته ومعاقبته، إذ يقول تعالى: {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج : 74]

وقد وردت في سورة الحج وكأنها تؤكد على أن إقدار الله وتعظيمه يتجلى في الحج بصورة عملية أكثر وضوحاً، لكونه مسيرة إيمانية تراحمية، كاختبار لأخلاق الفرد وتقواه وخشيته، ليكون مثلاً أعلى في الخضوع وخفض الجناح للمؤمنين عموما، وليكون قدوة حسنة في الانضباط والانتظام؛ بسكينة الإيمان وروحانية الطاعة؛ تجردا وتنزها عن إثارة الفوضى أو ما يعكر صفو الحج أو يضر بالآخر .. لتتفرغ النفوس وتصفو وتشرئب للأفق الأعلى، أملاً في الأجر، رجاءً في الثواب، تحسباً لمغفرةِ الذنب والعتق من النار .. حيث يتجلى الرب في عليائه؛ مباهياً ومغدقاً!! لقوله ﷺ : «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو يتجلى، ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ اشهدوا ملائكتي أني قد غفرت لهم»

خاتمة المطاف:

إن ما تبذله الدولة من أموال طائلة لتهيئة المشاعر بالخدمات والمرافق والمنشآت، وما تقدمه من تسهيلات وخدمات مساندة، وما توليه من عناية واهتمام لتوفير سبل الراحة والأمان لحجاج بيت الله الحرام لهو عمل عظيم وجليل- لا ترجو من ورائه جزاء ولا شكوراً- بل تراه واجبا وشرفاً أولاه الله لهذه القيادة الحكيمة ولهذه الدولة الفتية المباركة، وهذا ما يستلزم التعاون التام مع الجهات ذات العلاقة بالالتزام بالتنظيمات والتعليمات التي من شأنها ضمان سير الحج وفق الخطط المرسومة من أجل سلامة الحاج وتسهيل حجه، ليعود لبلاده سالما غانمًا مأجوراً؛ مغفوراً له، كيوم ولدته أمه!!

نسأل الله أن يحفظ علينا أمننا وقيادتنا ووطننا وحجاج بيته المعظم، وأن يوفق العاملين ويجزيهم خير الجزاء على ما يقدمونه في سبيل الله؛ ابتغاء الأجر والثواب!

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com