الكاتب : فلاح بن علي الزهرانيمقالات وآراء

صرخة ألم!!

قصة قصيرة

بقلم: فلاح بن علي الزهراني

بوجه متجعد وثياب بالية تظهر عليه علامات الهزال إذ بلغ به السن عتيا، خطواته المقيدة المتثاقلة، عكازه الطويل ذي الشعبتين الذي يتوكأ عليه، ظهره المحدودب، شفتاه التي يتمتم بهما بلهجة لم تعد متداولة .. نظرات عينيه الغائرة هي الأخرى تختزل شريطا مصورا من فتوة الماضي وعصره الذهبي، وقف هنيهة بعد أن أبتعد قليلا عن داره، وكأنما يستعيد ذكريات عتيدة بتوجع ووله!!

يتحرك بروح مثقلة وقلب أدماه الحزن والأسى، وحاله المنهك مردداً في سره: { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} 

  بالكاد يقطع مسافة قصيرة، ينهكه الجهد، ما يلبث أن يتوقف بعدها، حتى رجليه بدأت تتخلى عنه، يلتفت يمنة ويسرة ببطءٍ شديد بجسد خامل متهالك، وكأنما يبحث في الفراغ عن صورٍ مفقودة .. تنكر كل شيء أمام ناظريه؛ الناس والأمكنة والمعالم، لم يعد العالم عالمه، ولا الزمان زمانه، أصبح بحكم الغريب المريب!!

واصل سيره المتعب بخطواته المقيدة، تصاغرت الدنيا في عينيه، لم يعد يعبأ بما فيها!!

 حتى وجهته تظل حائرة، منزله الصغير الذي كان مصدر بهجته وتفتح أساريره أصابه هو الآخر سهم الزمان بالكآبة، تقادم عهده، تشققت جدرانه، هبط سقفه، ذهب رونقه، تحول لما يشبه الأشباح الموحشة بعد أن وارى الموت زوجته ورفيقة دربه التي كانت له الأنس والأنيس، فلم يبق منها سوى صورتها المتكدسة في كل زاوية من ذلك المأوى العتيق، رائحتها عالقة في مخيلته يشمها مع هبوب النسائم، حتى صوتها لم ينفك عن مسمعه، يتردد صداه في كل ناحية، علق في الذاكرة كلما سقط إناء، أو حركت الرياح نافذة، مع كل شعلة نار، لم تكن مجرد ذكرى، بل سيرة جميلة، وعلاقة حميمة لا تنسى!!

حتى رفاق صباه وأصدقاء عمره رحلوا، ذهبوا في غياهب الغياب، ومعهم ذهبت زهرة عمره، نِزالاته، بطولاته، تحدياته، عنفوانه، رحلاته، نضالاته، كل شيء كانوا يتقاسمونه، تركوه لصروف الدهر وتقلباته؛ كسيرا وحيدا!!

مأساة تتجدد صبح مساء، كلما استرجع شريط ذكرياته، لم يعد النوم صديقه، ولا الليل سوى لون أسود قاتم! متلازمة لا تنفك بين السهاد وثقل الحياة؛ تؤرق فكره وتنحل جسمه!!

أخذ منه السأم مبلغه، ما إن بزغ الفجر حتى قرر الخروج ليجدد أنفاسه، ليشهد الصلاة، قطع الشارع دونما انتباه، ليتفاجأ ببوق مزعج يتقدم نحوه، لم يفق من غيبوبته إلا بعد فترة طويله- لم يدرك زمنها- لكنه وجد نفسه أسيراً مكبلاً بأثقالٍ من الجبس تغمر قدميه على السرير الأبيض، تحسس جسمه بيديه التي لم تسلم هي الأخرى من الرضوض والخدوش، رفع يده ليمسح رأسه فإذا بالضماد يلفه بالشاش، خيّل له أنها تلك العمامة التي كان يلف بها رأسه، لكن الألم أيقظه من سرحانه، أعاده لحالة البؤس والحرمان، ومعه الألم الجسدي والروحي التي تزداد ثقلاً عليه!

الوقت مكرور، النهار عابس، والليل مدلهم، لا صبح مشرق ولا ضياء مبهر، تساوى عنده الأمس باليوم .. أخذته الحيرة، دوامة عاصفة من الملل، لا شيء يملأ فراغة، استفهامات تلجلج صاخبةً كنارٍ حارقة: لماذا تلاحقه كل هذه الويلات؟! أهي لعنة بشرٍ أم صخرة بلاءٍ جثمت على صدره؟!!  

رفع بصره لعله يجد مراغمًا أو سعة، لم يرَ سوى سقف محفوف كصفحة باهته تحفه أصوات الأجهزة الطبية المزعجة، انقلب إليه البصر خاسئا وهو حسير، عاد لذات الحزن يتجرع غربته!

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com