مقالات وآراء

لسانٌ لايعرف اللباقةُ

اللسان الذي لا يعرف اللباقة قد يكون سيفًا ذا حدين

لساني كجوادٍ جامح، لا يعرف طريق اللباقة ولا يلتزم حدود الدبلوماسية. يخرج الكلمات قبل أن تمر على فلاتر العقل أو قيود الخجل. أحيانًا، يطلق الحقيقة كما هي، بلا تزيين أو تلطيف، ويترك خلفه ارتباكًا، وجوهًا مذهولة، وقلوبًا مضطربة.

لساني لا يتقن فن المجاملة، لا يعرف كيف ينسج الكلمات بعناية ليُرضي الجميع. يقول ما يشعر به، بغض النظر عن الوقت أو المكان. لساني يكشف عن الأفكار المدفونة بسرعة، عن الغضب المكتوم، أو عن الشوق الذي لم يُفصح عنه.

قد يظن البعض أنه وقح، لكن الحقيقة أنه صادق أكثر مما يتحملون.

كم مرة تمنيت أن أروضه، أن أعلّمه كيف يصمت عندما لا يجب أن يتحدث، أو كيف يختار كلماته بحذر.

لكن يبدو أنني وأنا أسعى وراء اللباقة، أفقد جزءًا من هويتي، من تلك الصراحة التي هي في الحقيقة جزء مني، حتى وإن كانت موجعة.

لساني لا يعرف التلاعب بالكلمات، ولا يختبئ خلف الحروف. هو مرآة لما في القلب والعقل، وإن كانت هذه المرآة لا تعجب الجميع.

ومع ذلك، رغم كل الصعوبات التي يجلبها هذا اللسان الجريء، إلا أنني لا أستطيع أن أنكر فضله في تحرير ما يكبلني.

فهو يفتح الأبواب المغلقة على تلك الأفكار المكبوتة، ويواجه الواقع دون قناع. قد يجرح أحيانًا، وقد يصدم كثيرًا، لكنه يبقى حرًا، عصيًا على القيود التي يضعها المجتمع حوله.

أدرك أن اللباقة هي فنٌ، وهي قدرة على مراعاة الآخرين بحذر وحكمة، لكنني أيضًا أدرك أن هناك قوة في الصراحة، حتى وإن كانت مؤلمة.

فبينما يسعى البعض إلى إرضاء الجميع على حساب الحقيقة، يبقى لساني هو الذي يُخبرني بما يجب أن أقوله، مهما كان الثمن.

ربما في يوم من الأيام، سأتعلم كيف أوازن بين اللباقة والحقيقة، كيف أقول ما أريد دون أن أجرح، وكيف أكون صادقةً دون أن أكون قاسيةً. ولكن حتى ذلك اليوم، سيبقى لساني كما هو، لا يعرف المراوغة ولا التلون، يطلق الكلمات بلا خوف، يرفض أن يخفي ما يختلج في داخلي.

ومع مرور الوقت، أدركت أن هذا اللسان الذي لا يعرف اللباقة قد يكون سيفًا ذا حدين.

ففي صراحته غير المزينة، تكمن قوة نادرة؛ تلك القوة التي لا تجدها في الكلمات المنمقة أو في الابتسامات المزيفة.

ولكنه في الوقت ذاته، قد يكون جسرًا يحرق من يمر عليه ، وحواجز نبنيها دون قصد، بيني وبين الآخرين.

تعلمت أن الحقيقة، على الرغم من قيمتها، تحتاج أحيانًا إلى أن أقدمها بلطف، تمامًا كدواء مر يجب أن يُغطى بالعسل ليكون مقبولًا. فليس كل قلب جاهز لاستقبال الحقيقة العارية، ولا كل أذن تتحمل صراحتها المباشرة. وربما يكمن التحدي الحقيقي في أن أتعلم كيف أُلبس الحقائق رداء الرحمة، كيف أختار اللحظة المناسبة لقولها، والطريقة المناسبة لطرحها.

ولكن رغم هذا الوعي الجديد، يبقى لساني متشبثًا بطبيعته، يرفض أن يهدأ تمامًا. ربما لأنه يرى أن الحقيقة، حتى وإن كانت صادمة، هي أفضل من الكذب المغلف باللطف.

وربما، في عمق أعماقه، يعرف أنني، رغم كل شيء، أحتاج إلى هذه الصراحة التي تذكرني بمن أنا، وتبقي قدمي ثابتة على أرض الواقع. فبين ما يتطلبه المجتمع من مجاملة ولباقة، وما يحتاجه القلب من صراحة ووضوح، أجد نفسي أبحث عن طريقٍ وسط، حيث أستطيع أن أكون حقيقية دون أن أفقد قدرتي على التواصل بعمق مع الآخرين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com