الإعلامية : فايزة حامد الثبيتيمقالات وآراء

وداعٌ لرائحة الورق… ذاكرة تبدأ من صحيفة الرياض

فايزة حامد الثبيتي

بقلم الكاتبة 

فايزة حامد الثبيتي 

نافذة صغيرة على العالم

تأخذني رائحة الورق، كلما عبرت الذاكرة، إلى أمي وهي تضع صحن الأرز فوق صحيفة الرياض. كنت أمدّ يدي إلى الحروف قبل الطعام، كأن القراءة كانت وجبتي الأولى. لم تكن الجريدة ورقًا يُفرش على المائدة، بل نافذة صغيرة على عالمٍ أكبر من طفولتي. منها تعلّمت أن للكلمات طعمًا، وأن المعرفة قد تبدأ من عادة منزلية بسيطة، ثم تكبر حتى تصبح علاقة كاملة بالحياة.

بيتٌ آمن بالعلم

لم يكن أبي ـ رحمه الله ـ ولا أمي ـ شفاها الله ـ يقرآن أو يكتبان. ومع ذلك، كانا يعرفان قيمة العلم معرفة فطرية لا تحتاج إلى شهادات. آمنَا بأن التعليم ليس ترفًا، بل طريق نجاة. كانا يضعان الحرف في طريقنا كما تُوضع اللقمة بمحبة على المائدة، ويؤمنان أن القراءة رزقٌ إذا انفتح بابه لا ينقطع أثره. ذلك البيت البسيط فتح لنا باب المستقبل، لأنهما فتحا لنا باب الحرف.

أسماء صنعت بدايتي

من صفحات الجريدة بدأت رحلتي الأولى. كنت أطلّ على تركي الحمد من زاويته، وأتبع أسئلته التي تتجاوز حدود الطفولة. وكنت أقرأ اسم خيرية السقّاف كأنه توقيعٌ يخصّني وحدي. أما تركي السديري، فكنت أزيح الأطباق عن صورته لأحمي ملامح الصحافة من عبث اليوم. وربما قصصت شيئًا من كلمات غازي القصيبي دون أن أعرف السبب؛ كأن الورق كان يعلّمني أن للكلمة مكانة تستحق أن تُحفظ ولو في قصاصة صغيرة.

سرّ الحروف الصغيرة

كنت أقرأ الجريدة بصعوبة حين يُرفع الطعام، ثم أخبئها تحت المفرش أو خلف الوسادة لأكمل القراءة لاحقًا. كانت الحروف سرّي الأول، وكانت الصفحة مساحة أؤجل فيها نهاية اليوم كي لا تنتهي الحكاية. كنت أنسى الماء والطعام، وأزيح الكأس عن زاوية «حول العالم»، كأن العالم كله يبدأ من تلك البقعة المطبوعة. كنت أتهجّى الحروف كما يتهجّى الطفل ملامح الفجر، وأصوغ منها مشاعر صغيرة، وأحلم بذلك البعيد الذي يشبه الحلم؛ البعيد الذي دفعني إليه أبي وأمي، لا لأنهما قرآه، بل لأنهما أدركا قيمة أن أقرأ.

خبرٌ يطوي صفحة

لهذا لم يكن نبأ إيقاف النسخة الورقية خبرًا عابرًا بالنسبة إليّ. كان أقرب إلى طيّ صفحة من الذاكرة قبل أن يكون طيًّا لصفحة من صحيفة. في زمنٍ تتسارع فيه الشاشات وتتبدل فيه العادات، يغيب الورق لا بوصفه وسيطًا قديمًا فقط، بل بوصفه طقسًا ثقافيًا صنع علاقة أجيالٍ كاملة بالقراءة والمعرفة.

ما بين الورق والرقمية

قد يكون التحول الرقمي ضرورةً لا مفر منها، وقد تكون الصحافة اليوم أقدر على الوصول عبر الشاشات والهواتف. لكن خسارتنا للنسخة الورقية ليست خسارة شكلٍ فقط؛ إنها خسارة علاقة حسية بالمعرفة. علاقة تبدأ من ملمس الصفحة ورائحة الحبر وهدوء القراءة، ثم تمتد إلى معنى أعمق: أن الصحافة ليست خبرًا سريعًا، بل ذاكرة تُصاغ على مهل، ووعيٌ يتراكم في البيوت قبل أن يستقر في العقول.

خاتمة

وداعًا لصحيفةٍ سكنت طفولتي، وتعلّقت بملامح أمي ودفء يد أبي ورعشة أصابعي الصغيرة وهي تتعلّم القراءة قبل أن تعرف معنى الحياة. أما الصحافة، فلا ينبغي أن نودّع روحها وإن تبدّل شكلها؛ فالمهم ألا ينطفئ فينا ذلك الشغف الأول بالحرف، وألا تتحول المعرفة إلى ومضة عابرة على شاشة مزدحمة. سيغيب الورق، نعم، لكن أثره سيبقى حيًا في قارئٍ لا يكتفي بالتمرير، وفي بيتٍ يعلّم أبناءه أن القراءة ليست عادة قديمة، بل بداية كل مستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com