تقارير تفاعلية

كيف تحمي المملكة مجتمعها من خطر التزييف العميق؟

تحقيق _ هبة حجاب

لم يعد التزييف العميق Deepfake” ” حكرًا على الخيال العلمي، بل تحوّل خلال العامين الماضيين إلى أداة جاهزة للاستخدام يستطيع أي شخص، بلا خبرة تقنية تُذكر، توليد فيديو أو مقطع صوتي مزيّف بواقعية يصعب تمييزها عن الأصل خلال دقائق معدودة.. 

وفي السعودية، حيث يتسارع التحول الرقمي وتتوسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يبرز التزييف العميق بوصفه تحديًا يتجاوز التقنية إلى الاحتيال والخصوصية والتضليل الإعلامي والثقة بالمحتوى الرقمي.

يستعرض هذا التحقيق أبرز محاور القضية: من التعريف والانتشار، إلى الحوادث الموثقة والإطار القانوني، وصولًا إلى جهود المملكة التنظيمية والتوعوية لمواجهة هذا التحدي. 

 

ماهو التزييف العميق؟

توضح «سدايا» أن تقنيات التزييف العميق تستخدم الذكاء الاصطناعي والتعلم العميق لإنشاء أو تعديل محتوى رقمي، بما في ذلك الصور والفيديوهات والأصوات، بطريقة قد تجعل اكتشاف التلاعب أكثر صعوبة.

وتشير مبادئ «سدايا» إلى أن المشكلة لا تكمن في التقنية ذاتها؛ فهناك استخدامات غير خبيثة لها في مجالات مثل التعليم والترفيه وإعادة بناء السرديات التاريخية، مقابل استخدامات خبيثة تستهدف الأفراد والمجتمع.

وتُصنف الوثيقة المخاطر إلى ثلاث فئات: الاحتيال وانتحال الشخصيات، والتلاعب غير الموافق عليه الذي قد يفضي إلى الابتزاز، والتضليل الإعلامي والدعائي .

600% ارتفاع في عمليات الاحتيال بالتزييف العميق

تكشف بيانات شركة Sumsub عن مؤشر لافت لحجم التهديد؛ إذ سجلت السعودية ارتفاعاً بنسبة 600% في عمليات الاحتيال التي تستخدم تقنية التزييف العميق خلال الربع الأول من 2024 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق . 

لماذا يمثل التزييف العميق خطراً على المجتمع؟

لا تقتصر تداعيات التزييف العميق على الجانب التقني أو القانوني، بل تمتد إلى صميم النسيج الاجتماعي، مهددةً الثقة بين أفراد المجتمع ومسببةً أضراراً مادية ونفسية ومعنوية عميقة.

أولاً: الاحتيال المالي

يُستخدم الصوت أو الصورة المصطنع لانتحال شخصية موثوقة وإقناع الضحية بتنفيذ تحويل مالي، في واقعة موثقة، استخدم محتالون تقنية التزييف الصوتي والمرئي لانتحال شخصية شاب سعودي وإقناع والدته بتحويل 200 ألف ريال.

ثانياً: التشهير وانتهاك الخصوصية

يمكن تركيب وجه شخص على محتوى لم يشارك فيه، ونشره على المنصات الرقمية، وهو ما يحول التقنية إلى أداة ابتزاز وتشهير.

ثالثاً: التضليل الإعلامي

قد تستهدف المقاطع المصطنعة شخصيات عامة ، على سبيل المثال تعرّض الشيخ عبدالرحمن السديس لتزييف فيديو ، كشفته منصة “مسبار”، وحذرت الكاتبة ناهد باشطح في “الجزيرة” من أثر المواد المزيفة في الثقة بالمؤسسات الإعلامية والدينية” .

الإطار القانوني السعودي

لا يوجد في نظام مكافحة جرائم المعلوماتية نص مستقل يستخدم مصطلح «التزييف العميق» تحديدًا، لكن بعض الأفعال التي قد تُرتكب باستخدامه تدخل ضمن جرائم منصوص عليها عبر نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية ونظام حماية البيانات الشخصية ، ويشمل ذلك:

جريمة الابتزاز وانتهاك الخصوصية (المادة الثالثة): السجن حتى سنة وغرامة تصل إلى 500 ألف ريال.

إنتاج أو نشر محتوى يمس الحياة الخاصة أو النظام العام (المادة السادسة): السجن حتى 5 سنوات وغرامة تصل إلى 3 ملايين ريال.

الاستيلاء على المال عن طريق الاحتيال أو انتحال الشخصية (المادة الرابعة): من الجرائم المالية ذات العقوبات الأشد.

إتلاف أو تعطيل بيانات أو أنظمة معلوماتية: السجن حتى 4 سنوات وغرامة تصل إلى 3 ملايين ريال.

وسُجّل أول حكم قضائي من نوعه بتغريم مستخدم 9,000 ريال لنشره صورًا معدّلة بالذكاء الاصطناعي لشخص آخر دون موافقته، استنادًا إلى نظام حقوق المؤلف .

الاستجابة الرسمية.. حوكمة استباقية 

في ظل غياب قانون عالمي موحد للذكاء الاصطناعي، اتخذت المملكة خطوات استباقية عبر إطار تنظيمي متعدد المستويات:

وثيقة مبادئ التزييف العميق

أصدرتها “سدايا” بعنوان “مبادئ التزييف العميق: تخفيف المخاطر مع تعزيز الابتكار”، وتُلزم الوثيقة المطورين وصنّاع المحتوى بحماية البيانات الشخصية والحصول على الموافقات، وتطبيق تدابير تقنية كالعلامات المائية الرقمية، والالتزام بالقوانين المحلية .

مبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام

أطلقتها وزارة الإعلام بالتعاون مع “سدايا”، وتقوم على 8 مبادئ تشمل الشفافية ومصداقية المعلومات وحظر المحتوى المضلل . 

وأكد سلمان بن يوسف الدوسري- وزير الإعلام- خلال المنتدى السعودي للإعلام 2026 أن “أبرز التحديات التي تواجه العمل الإعلامي اليوم هي حملات التضليل الإعلامي والاستخدام الواسع لتقنيات التزييف العميق”.

وعلق د. سلمان بن وهف، رئيس كرسي أبحاث التقنيات الناشئة بجامعة الملك سعود، “إن هذه الحوكمة صمام أمان يحمي وعي المتلقي، والإفصاح حجر الزاوية في بناء الثقة الرقمية.

السعودية تستثمر في كشف التزييف

إلى جانب التنظيم، تتجه المملكة نحو الاستثمار في حلول الكشف؛ ففي خطوة استراتيجية، استثمرت “واعد فنتشرز”، الذراع الاستثمارية لأرامكو السعودية، في شركة Resemble AI الأمريكية المتخصصة في توليد الصوت بالذكاء الاصطناعي وكشف التزييف العميق آنياً. 

كما أطلقت وزارة الإعلام، بالتعاون مع “سدايا”، “معسكر الابتكار الإعلامي السعودي” (Saudi MIB) لتدريب جيل جديد من الصحفيين على استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي لكشف التزييف العميق .

التوعية ومحو الأمية الرقمية

مع تعقّد تقنيات التزييف، أصبح محو الأمية الرقمية ضرورة وطنية، في هذا السياق، أطلقت المملكة عدة مبادرات:

1- “سماي” (مليون سعودي للذكاء الاصطناعي): نجحت بحلول نوفمبر 2025 في تدريب أكثر من مليون مستفيد .

2- “العطاء الرقمي”: مبادرة غير ربحية أطلقتها وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات منذ 2018 لرفع الوعي الرقمي المجتمعي.

3- أكاديمية طويق: برامج تدريبية مكثفة في البرمجة والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي .

4- فعاليات توعوية في الجامعات، كمحاضرات قسم الإعلام بجامعة أم القرى ضمن الأسبوع العالمي للدراية الإعلامية والمعلوماتية .

المواطن خط الدفاع الأول والأخير

يمثل التزييف العميق في السعودية تحدياً مزدوجاً: أمني واجتماعي، ورغم أن المملكة تتبنى نهجاً استباقياً عبر التوجيه التنظيمي والاستثمار التقني، فإن النجاح في مواجهة هذا الخطر لا يعتمد على قانون واحد أو تقنية واحدة، بل على تكامل الجهود بين التشريع والتوعية المجتمعية والاستثمار في القدرات التقنية المحلية، في هذه المعركة، يبقى المواطن نفسه خط الدفاع الأول والأخير.

«تحقيق حصري لصحيفة أشجان الإلكترونية – جميع الحقوق محفوظة. يمنع إعادة نشر هذا المحتوى أو اقتباسه دون إذن رسمي من الصحيفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com