مقالات وآراء

عقد من الأثر: رؤية مركزها الإنسان

خالد بركات

الكاتب  / خالد علي راجح بركات 

عشر سنوات مرت كأنها لحظة، لكن أثرها يُقاس بعمر كامل. حين أُطلقت رؤية 2030 كان السؤال: “هل نقدر؟”. واليوم صار الجواب مكتوباً على الأرض، في المدن، وفي وجوه الناس: “نعم، وقدرنا على أكثر”.

الإنسان أول السطر وآخره  

لم تبدأ الرؤية من المصانع ولا من الأبراج. بدأت من سؤال بسيط: كيف يعيش المواطن حياة أكرم وأجمل؟ فجاءت برامج جودة الحياة لتقول إن الترفيه حق، والرياضة أسلوب، والثقافة هوية. صارت العائلات تجتمع في مواسم الرياض وجدة، وصار الشاب يجد مسرحاً لفنه، وملعباً لحلمه، وحديقة لراحة باله. المدن تنفست، والأرصفة امتلأت بالمشي، والمقاهي صارت ورش عمل للأفكار.

اقتصاد يولد من جديد  

كان الاعتماد على مورد واحد قدراً، فصار التنويع قراراً. نمت قطاعات لم نكن نراها إلا في نشرات الأخبار العالمية: السياحة صارت وجهة، والتقنية صارت صناعة، والخدمات اللوجستية صارت شرياناً يربط القارات. الصندوق السيادي لم يعد خزنة، بل محرك استثمار يزرع الفرص في الداخل ويقطف الثمار من الخارج. الشركات الناشئة وجدت حاضنات تمسك بيدها، والشباب وجدوا أنفسهم مدراء قبل الثلاثين، لأن البيئة كلها قالت لهم: “جرّب، ونحن معك”.

المرأة شريك… لا رقم  

أجمل ما تغير لم يكن في اللوائح، بل في المشهد اليومي. المرأة اليوم في المطار تقود الطائرة، وفي المعمل تدير خط الإنتاج، وفي القاعة تقود الحوار. التعليم فتح لها كل التخصصات، والعمل فتح لها كل المناصب، والمجتمع اكتشف أن نصف الوطن حين ينهض، ينهض الوطن كله. لم نحتج أن نعد كم زادت نسبتها، يكفي أن نراها في كل مكان كانت غائبة عنه.

مشاريع تكتب المستقبل بالحاضر  

نيوم لم تعد فكرة على ورق، بل مدينة تُبنى لتسأل: كيف يعيش إنسان 2050؟ البحر الأحمر حوّل شواطئ كانت صامتة إلى عناوين عالمية للفخامة المسؤولة. القدية تصنع مدينة للفرح، والدرعية أعادت التاريخ ليكون حياً يمشي بيننا. والمشاريع الكبرى لم تأتِ لتُبهر العين فقط، بل لتخلق وظائف، وتوطن تقنية، وتجذب العالم ليرى السعودية الجديدة.

أرض خضراء وسماء أنظف  

الرؤية لم تنسَ أنها تعيش على كوكب واحد. فجاءت مبادرة السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر لتقول إن النفط الذي أعطانا القوة، لن يمنعنا من حماية الأرض. التشجير تمدد، الطاقة الشمسية صارت حقولاً تضيء المدن، والهيدروجين الأخضر صار وعداً نصدره للعالم. التنمية عندنا لم تعد ضد البيئة، بل معها.

حكومة تخدم لا تُراجع  

الإجراءات التي كانت تأخذ أسابيع صارت تتم بدقائق على الجوال. الهوية الرقمية، المنصات الموحدة، القضاء المتخصص، كلها أعادت تعريف العلاقة بين المواطن والدولة: خدمة سريعة، شفافية عالية، وثقة تكبر كل يوم. صار الاستثمار أسهل، وصار المواطن ضيفاً لا مراجعاً.

عقد مضى… وعقد ينتظر  

عشر سنوات كانت كافية لنغيّر الصورة الذهنية عنا، ونغيّر صورتنا عن أنفسنا. اكتشفنا أن الطموح ليس شعاراً، بل خطة. وأن الشباب ليسوا أرقام بطالة، بل جيش بناء. الرؤية لم تكتمل لأنها وُلدت لتستمر. كل إنجاز فتح باباً لإنجاز أكبر.

بعد عقد من الأثر، صار واضحاً أن مركز الرؤية لم يكن برميل نفط ولا مخطط مدينة. كان الإنسان. الإنسان الذي آمن، تعلم، عمل، وابتكر. وهذا الإنسان هو الضمان أن العقد القادم سيكون أعظم أثراً، وأكثر إشراقاً.

فشكراً لرؤية وضعتنا أمام المرآة وقالت: “هذا أنتم… وهذا ما تستطيعون”.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com