هوس التجميل.. كيف تحول التجميل من رفاهية إلى صناعة؟


تحقيق: هبة حجاب
لم يعد التجميل في السعودية خياراً فردياً محدوداً، بل تحوّل إلى ظاهرة متكاملة الأبعاد: صناعة تُدرّ مليارات الدولارات، وسوق تشهد طفرة تنافسية، ومرآة تعكس علاقة معقّدة بين الضغط الاجتماعي والصحة النفسية.
وهنا يطرح السؤال نفسه.. هل يسعى السعوديون إلى الجمال بوصفه اختياراً واعياً، أم أن الجمال قد تحول إلى هوس اجتماعي ونفسي تحركه جهات تبحث عن الربح.
السعوديون ينفقون 1.8 مليارات دولار سنوياً على التجميل
أشارت بيانات السوق إلى بلوغ قيمة سوق الجمال والعناية الشخصية في السعودية 8.1 مليار دولار عام 2025، بنسبة 56% من إجمالي إنفاق دول الخليج، ومعدل نمو سنوي بلغ 8.7% حتى عام 2030.
وأوضحت الإحصاءات أن المملكة احتلت المرتبة الأولى عربياً في عدد العمليات التجميلية، بإنفاق سنوي يقارب 1.8 مليار دولار، واستثمارات تتجاوز 2 مليار ريال.
وفي هذا السياق، كتب الاستشاري والبروفيسور أ.د خالد النمر عبر حسابه على منصة أكس “الهوس بجراحات التجميل من كلا الجنسين وصل الى مرحلة تحتاج حملة توعية وتثقيف للدواعي الحقيقية لتلك العمليات والمخاطر المحتملة منها ..
وقال المذيع صلاح الغيدان محذراً: “لا تجعل رغبتك في أن تصبح أجمل تجعلك أقل وعياً”.
كيف تعيد منصات السوشيال ميديا تعريف الجمال في السعودية؟
يرى المراقبون أن هذا الزخم يعكس تحولاً اجتماعياً في بنية المجتمع السعودي؛ حيث تقل أعمار نحو 60% من السكان عن ثلاثين عاماً، بينما ارتفعت مشاركة المرأة في سوق العمل من 20% إلى أكثر من 36% خلال سبع سنوات، وهو ما عزز قدرتها على الإنفاق على خدمات التجميل.
وأكدت دراسات متخصصة أن الإعلام الرقمي يؤدي دوراً محورياً في تعزيز هذه الظاهرة، إذ تربط الأبحاث بين متابعة محتوى الجراحات التجميلية على منصات التواصل الاجتماعي وازدياد التفكير في الخضوع لإجراءات مستقبلية.
وفي تعليقه على هذه الظاهرة، أشار الدكتور يزيد الغنيم -جراح تجميل الوجه والأنف والجيوب الأنفية- إلى أن “كثرة عمليات التجميل والهوس فيها جزء منها فلاتر سناب شات”.
شباب العشرينات .. الفئة الأكثر إقبالاً على التجميل
كشفت الإحصاءات أن شباب العشرينات يمثلون 28.8% من المقبلين على عمليات التجميل، مع تفوق نسبي للنساء بنسبة 60% مقابل 40% للرجال، وحضور بارز للجامعيين بنسبة 44.4%.
وأظهرت دراسة ميدانية أجريت في الرياض أن الدوافع الذاتية تشمل “عدم الرضا عن المظهر، والاضطراب النفسي، والرغبة في النتائج السريعة”، بينما تنوعت الأسباب الاجتماعية بين “التنمر، والضغط الاجتماعي، وتقليد مشاهير السوشيال ميديا”.
وفي هذا الإطار، علق محمد الماضي قائلاً: “أتفهم أن يلجأ من يعانون بعض التشوهات إلى عمليات التجميل، لكني أستغرب من الأشخاص الذين وهبهم الله حسناً فوق المتوسط، يتعرضون للتخدير والمشرط والمخاطرة بفشل العملية وتشويههم، مع ملاحظة أن من يجري عملية وتنجح سيفترض الناس أن شكله لم يكن مقبولاً”.
وتوافقه الرأي نور ريحان موضحة أن “المرأة التي تظن أن نفخ الشفاه وترميم الأنف وحقن الجفون سيمنحها قبولاً أكبر في نظر الرجل، حتى أكون واقعية، هذا يحصل لمدة خمس ثوانٍ وهي فترة الانبهار بمنظر لافت، بعدها يزول كل شيء، ويبقى الرجل إلى آخر يوم في حياته يبحث عمن ترافقه وتشاكله في الطباع والفكر والحب والاحتواء والطاعة والسمو والحنان والتفاهم”.
وأضافت: “المهارات النفسية مفيدة أكثر من عمليات التجميل، لأنك ولو حظيتِ برجل على إثر الأولى، فإنك ستخسرينه على إثر الثانية ولو بعد حين”.


الرجال يدخلون خط التجميل
كشفت المؤشرات عن قفزة ملحوظة في نسبة إقبال الرجال السعوديين على التجميل، من 15% عام 2004 إلى أكثر من 74% عام 2014، مع بيانات تشير إلى أن 58% منهم يفكرون في إجراءات تتنوع بين زراعة الشعر وشفط الدهون وتجميل الأنف، تتراوح أعمارهم بين 18 و55 عاماً.
وفي هذا السياق، توقع فيصل سعود -طبيب أسرة- أن “سنة 2026 ستكون سنة تقلب موازين أمور كثيرة، وأن ترند التجميل والهوس سينتقل إلى الرجل بدلاً من المرأة تحت مسمى ملطف ( Lookmaxxing ).
موقف الشريعة من هوس التجميل المتصاعد
يميّز الشيخ عبد الله المنيع -عضو هيئة كبار العلماء- بين تصحيح عيب خلقي واللجوء لعمليات التجميل بدون ضرورة.. وأوضح المنيع لـ”عكاظ”: ” أن تصحيح العيب الخلقي جائز، أما تحسين المظهر لمجرد الكمال فاعتراض على خلق الله”، مستدلاً بقوله تعالى: “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ”.
وزارة الصحة تضبط إيقاع عيادات التجميل في السعودية
أطلقت وزارة الصحة حملة رقابية في مارس 2026 شددت على أن إجراءات الفيلر والبوتكس يجب أن تُجرى تحت إشراف استشاري، مع حق المريض في بطاقة بيانات مختومة والاطلاع على ترخيص الطبيب، والتأكيد على ضرورة موافقة كتابية مسبقة، والإبلاغ عن المخالفات عبر الرقم الموحد (937).
وأكد الدكتور مناف العزاوي -استشاري جراحة التجميل والترميم- أن “البوتكس ليس تجميلاً، وقراءتك للوحة مكتوب عليها ‘تجميل’ لا يعني أن من بالداخل جراح تجميل”.
وأضاف الطبيب والمستشار الأستاذ الدكتور أحمد العمار محذراً: “اللي قاعد يصير في التجميل عندنا يحتاج وقفة منا كلنا، هوس التجميل قاعد يدمر شخصيات الناس وأشكالهم، وزارة الصحة تمنع صور قبل وبعد لأنها تعزز هوس التجميل في المجتمع، ويجب أن نتكاتف”.
كيف تنافس المملكة عالمياً في جراحات التجميل
في إطار رؤية 2030، تسعى المملكة لتكون مركزاً إقليمياً لجراحات التجميل، مدعومة بتوسع شبكة العيادات واستقطاب أطباء من جنسيات متعددة، ما جعل الرياض من المدن اللافتة عالمياً في هذا المجال.
عمليات التجميل بين الضرورة الطبية والهوس الاجتماعي
في ختام هذا التحقيق، يمكن القول إن الإقبال المتصاعد على التجميل في السعودية يمثل انعكاساً لعلاقة معقّدة بين الإنسان وصورته في عصر المنصات الرقمية: ظاهرة اقتصادية بسوق تجاوز 8 مليارات دولار، واجتماعية بحكم تحول المواقف وتأثير منصات التواصل الاجتماعي، ونفسية بحكم ارتباطها المحتمل باضطراب تشوه الجسم، ويبقى السؤال معلّقاً: هل هو وعي صحي متنامٍ، أم سوق يربح من هوس التجميل؟.
«تحقيق حصري لصحيفة أشجان الإلكترونية – جميع الحقوق محفوظة. يمنع إعادة نشر هذا المحتوى أو اقتباسه دون إذن رسمي من الصحيفة.







