تقارير تفاعلية

التعصب الرياضي في السعودية تحت المجهر الأسباب والحلول

تحقيق – هبة حجاب 

تواصل المملكة جهودها الاستباقية للتصدي لظاهرة التعصب الرياضي بمنهجية متكاملة تجمع بين التشريع الرادع والتوعية المؤسسية، فمع تفعيل نظام الرياضة الجديد الذي يُجرم خطاب الكراهية بغرامات تصل إلى 5 ملايين ريال، وإيقافات قد تبلغ 5 سنوات، إلى جانب الإجراءات الحازمة بإغلاق حسابات بارزة على منصة “إكس” وإحالة إعلاميين للتحقيق، ترسم السعودية مساراً احترافياً ينأى بالرياضة عن وباء التعصب الرياضي.

متى يتحول التشجيع إلى كراهية؟

هناك فرق كبير بين التشجيع الأبيض والتعصب الرياضي الذي يتجاوز الخطوط الحمراء .. يرى د. خميس الحمد أن “التعصب الرياضي ليس مجرد تشجيع زائد، بل فقدان للاتزان والعلاقات من أجل مباراة تنتهي في ساعتين، محذراً من أن “يخسر المشجع أخلاقه وقيمه قبل أن يخسر فريقه”.

ويصف دخيل المحمدي -كاتب – التعصب بأنه “أشد خطورة من مجرد خلاف في الميول، فالرياضة تُنافس بالأقدام وتُناقش بالعقول، أما التعصب فلا يصنع انتصاراً بل عداوة لا علاقة لها بالرياضة”.

من جانبه، يؤكد د. محمد الهدلاء -باحث ومستشار في الشؤون الأمنية والقضايا الفكرية- “أن التعصب الرياضي تجاوز التنافس الشريف إلى خطوط حمراء تهدد تماسك المجتمع السعودي، مشيراً إلى بروز هتافات بعبارات عنصرية لدى بعض الجماهير المتعصبة”.

أسباب التعصب الرياضي في مقدمتها الإعلام  

تحولت الشاشات من تحليل موضوعي إلى مسرح لإثارة الخصومات، وأصبحت “الإثارة” سلعة تباع .. يحدد الهدلاء أبرز أسباب استفحال الظاهرة في خمسة عوامل هي: البرامج والقنوات الرياضية ومحللوها المتعصبون لأنديتهم، تصريحات رؤساء الأندية وأعضاء الشرف، أخطاء التحكيم، الحسابات الرياضية الخاصة بالأندية، ورابطات المشجعين. 

أما الكاتب محمد الشقاء فيرجع جزءاً من المشكلة إلى طبيعة المنافسة الإعلامية منذ انطلاق دوري روشن، حيث قدّر عدد البرامج الرياضية المتنافسة على المتابعين بنحو 15 برنامجاً جعلت من الإثارة معياراً للنجاح، أحياناً على حساب ضيوف يُقدَّمون ككبش فداء، أو ضيوف يفتقدون أصلاً معايير الظهور الإعلامي.

عقوبة التعصب الرياضي غرامات 5 ملايين 

مع دخول نظام الرياضة الجديد حيّز التنفيذ في يونيو 2026 أصبح للتعصب الرياضي عقوبة رسمية، والذي يمنع أي وسيلة إعلامية أو إعلامي من نشر خطاب يحرّض على الكراهية بين الجماهير، ويمنع رفع الرايات أو الهتافات المتعصبة داخل الملاعب وحولها…. يفصل د. أنس الشهراني -خبير قضائي- العقوبات كالتالي: غرامة تصل إلى 5 ملايين ريال، منع من الترخيص حتى 4 سنوات، إيقاف عن العمل بالكيانات الرياضية حتى 5 سنوات، إسقاط عضوية النادي حتى 4 سنوات.

إيقافات تهدد المخالفين

نشر يوسف السيف -إعلامي- خبر إيقاف إعلامييْن ومحلل مؤقتاً، واستدعاء آخرين، معلقا بأن “الإثارة لا تعني التحريض”، والنقد لا يبرر تأجيج الجماهير”، واصفَا الخطوة بأنها تأتي نحو إعلام أكثر مهنية.. 

وأشار محمد الشقاء إلى أن ما تم تداوله عن الإيقافات يؤكد أن الفوضى تجاوزت حدود الاستديو إلى تدخل تنظيمي لضبط المشهد، مستشهداً ببرامج مثل “روتانا سبورت مع وليد”، و”المنصة”، و”دورينا غير”، و”في الـ90″، التي انزلق بعضها من النقد إلى الاستفزاز والاتهامات.

وأكد أحمد الجلعود “أن هذه الإيقافات تمثل خطوة في معالجة إشكالية يعاني منها الوسط الرياضي منذ سنوات، في ظل بيئة كافأت صناعة الإثارة بالانتشار والعقود والظهور”.

التعصب الرياضي يضر بسمعة الوطن

تحذر أستاذة غدير الطيار -أكاديمية ومستشارة إعلامية- من أن “الفوضى الإعلامية تضر بجاذبية القطاع الرياضي واستثماراته، مؤكدة أن إعادة ترتيب المشهد الإعلامي خطوة تصحيحية ضرورية لمواكبة طموحات المملكة نحو مونديال 2034.

ويرى أحمد الجلعود أن كلفة نموذج “صناعة الإثارة” تتجاوز البعد المهني لتصل إلى التأثير في مصداقية المنظومة الرياضية وثقة الجمهور، وجاذبية البيئة الرياضية للكفاءات، فضلاً عن مزاحمة الرياضات الناشئة على مساحة الحضور والاهتمام.

ويضيف محمد المسعودي -أكاديمي وكاتب رأي- أن التعصب حين يتحول إلى إساءة وتحريض، فإنه يضر بالمشهد الرياضي والمجتمع، بل بسمعة الوطن.

هل ينقذ الوعي الإعلامي المشهد؟

القضاء على التعصب الرياضي يتجاوز القانون إلى مسؤولية أخلاقية وثقافة واعية… يدعود. فهيد بن سالم العجمي -كاتب صحفي- إلى أن يكون الانتماء للوطن فوق كل الألوان والشعارات، وأن على الإعلاميين والمؤثرين ومسؤولي الأندية مسؤولية أخلاقية في تهدئة الخطاب.

ويشدد محمد المسعودي على أن كل مؤثر وإعلامي مسؤول عن كلمته، والجمهور مسؤول عن تفاعله، وهنا تبرز قيمة “الوعي الإعلامي”.

ويختم محمد الشقاء – كاتب رأي – بالتساؤل: بعدما أصبح الدوري السعودي عالمياً، فهل يرتقي إعلامه إلى المستوى نفسه؟

العقوبات لاتكفي وحدها 

ختاما.. ظاهرة التعصب الرياضي ليست وليدة اللحظة، وأي علاج فعلي لها لن يكتمل بالعقوبات الفردية وحدها – مهما بلغت رمزية الأسماء المعنية بها – ما لم يُصاحبها إصلاح بنيوي في الخطاب الإعلامي الرياضي، وفي طريقة تعامل الأندية وشخصياتها القيادية مع بعضها البعض على منصات التواصل، بالإضافة إلى تربية جماهيرية طويلة الأمد تبدأ من الأسرة والمدرسة قبل أن تصل إلى المدرجات.

«تحقيق حصري لصحيفة أشجان الإلكترونية – جميع الحقوق محفوظة. يمنع إعادة نشر هذا المحتوى أو اقتباسه دون إذن رسمي من الصحيفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com