في قلب الألم.. تولد القوة


بقلم / سمحه العرياني
في قلب الألم، حيث تضيق المساحات وتتثاقل الخطوات، يولد شيء لا نراه في لحظات الراحة؛ تولد القوة. فالحياة لا تمنحنا دائمًا ما نريد، لكنها تمنحنا ما نحتاج إليه لنصبح أكثر نضجًا وصلابةً وإيمانًا بقدرتنا على الاستمرار. وما نظنه اليوم نهاية مؤلمة، قد يكون غدًا بداية جديدة لشخص أقوى، وأكثر وعيًا بقيمة الحياة.
الألم جزء من الحكاية الإنسانية، لا يطرق بابًا إلا ويحمل معه درسًا، ولا يمرّ في حياة الإنسان دون أن يترك أثرًا. قد يأتي على هيئة فقد، أو خيبة، أو تجربة قاسية، أو حلم تأخر كثيرًا، فنشعر للحظة أن كل شيء قد انكسر من حولنا.
لكن الحقيقة أن بعض الانكسارات لا تأتي لتُنهيَنا، بل لتعيد تشكيلنا.
ففي أصعب الأيام نكتشف قدرتنا على الصبر، وفي لحظات الخذلان نتعلم ألا نربط سعادتنا بما يقدمه الآخرون، وفي التجارب القاسية نكتشف أننا أقوى مما كنا نظن. الألم يجعلنا نعيد ترتيب أولوياتنا، ونميز بين من يستحق البقاء ومن كان وجوده مجرد مرحلة، وبين ما يستحق أن نحزن عليه وما يجب أن نتركه خلفنا ونمضي.
كم من إنسان ظن أن محنته ستسلبه الحياة، فإذا بها تمنحه حياة جديدة! وكم من قلب أرهقته التجارب، ثم أصبح أكثر رحمةً وفهمًا للآخرين. فالقوة الحقيقية ليست في ألا نتألم، وإنما في أن نتألم دون أن نفقد قدرتنا على النهوض.
لا بأس أن نحزن، ولا بأس أن نتعب، ولا بأس أن نأخذ وقتنا في تضميد جراحنا. لسنا مطالبين بأن نكون أقوياء طوال الوقت، لكن علينا ألا نسمح للألم بأن يقنعنا بأن الطريق انتهى.
تذكر دائمًا أن الليل مهما طال، لا بد أن يعقبه فجر، وأن الجرح مهما كان عميقًا يمكن أن يلتئم، وأن الإنسان الذي عبر العاصفة بنفسه لن يكون كما كان قبلها؛ سيكون أكثر وعيًا، وأكثر ثباتًا، وأشد تقديرًا للأيام الهادئة.
ربما لم تختر الألم، لكنك تستطيع أن تختار ماذا ستفعل به. إما أن تجعله جدارًا يحاصرك، أو سلّمًا تصعد به نحو نسخة أقوى من نفسك.
وفي النهاية، قد لا نستطيع أن نختار ما يحدث لنا، لكننا نستطيع أن نختار الطريقة التي نواجه بها ما يحدث. فالألم ليس دائمًا عقوبة، وربما كان أحيانًا رسالة خفية تدفعنا إلى طريق لم نكن لنكتشفه لولا تلك التجربة.
فلا تخف من الألم، ولا تستسلم للانكسار؛ ففي قلب كل محنة بذرة قوة، وفي نهاية كل عاصفة مساحة من الضوء.
وحين تنظر إلى الوراء يومًا، ستكتشف أن أكثر الأيام التي أوجعتك… كانت هي ذاتها الأيام التي صنعت منك الإنسان الذي تفتخر به اليوم.







