مقالات وآراء

مورينيو يعيد كرة القدم إلى أصلها

بقلم / ممدوح نواف

كلما بالغوا في فلسفة كرة القدم وتعقيدها، جاء من يذكرهم بأن جوهر اللعبة أبسط مما يتصورون. قد تتغير الخطط، وتتعدد المدارس، وتظهر أفكار تكتيكية جديدة، لكن كرة القدم في النهاية لا تكافئ الأكثر تنظيرا، بل تكافئ من يفهم المباراة ويعرف كيف ينتصر فيها.

جوزيه مورينيو من أولئك الذين لا ينشغلون بجمال الفكرة بقدر انشغالهم بفاعليتها. لا يدخل المباراة ليسجل موقفا فلسفيا، ولا يصر على أسلوب معين لمجرد أنه يبدو أكثر حداثة، بل يقرأ خصمه، ويدرك إمكانات فريقه، ثم يختار الطريق الأقرب إلى الفوز.

في مواجهة برشلونة، حين كانت التوقعات تميل إلى أصحاب الأرض، وحين بدا لكثيرين أن التفوق الهجومي والاستحواذ كفيلان بحسم المواجهة، جاء مورينيو ليقلب الحسابات. لم يحتج إلى اختراع كرة قدم جديدة، ولم يطارد الاستحواذ من أجل الاستحواذ، بل تعامل مع المباراة كما هي، لا كما يحب المنظرون أن تكون.

وهنا تكمن الفكرة: ليس مطلوبا منك أن تسيطر على كل شيء كي تنتصر، ولا أن تكون أجمل في أعين المتفرجين كي تكون الأفضل في النتيجة. أحيانا يكفي أن تغلق المساحات، وتعرف متى تضغط، ومتى تتراجع، ومتى تضرب، وأن تجعل خصمك يلعب المباراة التي لا يريدها.

المشكلة أن بعضهم بات يتعامل مع كرة القدم وكأنها معادلة فلسفية معقدة، حتى أصبح البسيط عنده ساذجا، والواقعي محدود الخيال، وصاحب الأسلوب المباشر أقل فهما من صاحب المصطلحات الطويلة. والحقيقة أن كل هذه الأفكار لا قيمة لها إن لم تتحول إلى نتائج داخل الملعب.

مورينيو لا يقول إن التكتيك غير مهم، بل يثبت أن التكتيك الحقيقي هو أن تعرف ماذا تحتاج المباراة، لا أن تفرض عليها ما تحب أنت. فالخطة ليست غاية في ذاتها، والاستحواذ ليس انتصارا، والجمال لا يمنح صاحبه ثلاث نقاط لمجرد أنه كان أكثر إمتاعا.

قد تنجح فكرة جديدة في مباراة، وقد تفرض مدرسة تكتيكية نفسها في مرحلة، لكن اللعبة تعود دائما إلى أصولها: فريق يعرف كيف يدافع، وفريق يعرف كيف يهاجم، ومساحات يجب استغلالها، وأخطاء يجب معاقبتها، ومدرب يفهم أن الفوز لا يحتاج دائما إلى تعقيد، بل إلى قرار صحيح في اللحظة الصحيحة.

وهذا ما يجعل مورينيو مختلفا؛ إنه لا يخجل من الواقعية، ولا يعتذر عن اختياره الطريق الأصعب على خصمه، ولا يرى في البساطة نقصا في الفهم. إنه يعرف أن كرة القدم ليست مسابقة في شرح الأفكار، بل اختبار لقدرتك على تطبيقها.

والدليل على ذلك ما حدث في مواجهة برشلونة؛ فقد انتهت المباراة بفوز ريال مدريد بنتيجة 2-1 على أرض برشلونة، في نتيجة خالفت توقعات كثيرين راهنوا على أصحاب الأرض. لم يكن الانتصار بحاجة إلى تنظير طويل بقدر ما احتاج إلى قراءة واقعية للمباراة، واستغلال للفرص، وانضباط في التعامل مع الخصم. وهنا تظهر قيمة المدرب الذي يعرف أن كرة القدم لا تمنح الفوز لمن يمتلك الفكرة الأكثر تعقيدا، بل لمن يحسن تنفيذ فكرته على أرض الملعب

في كرة القدم، قد تبهر الناس بشرح المباراة، لكن مورينيو يفضل أن يشرحها لهم بالنتيجة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com