الكاتب : سيّار عبدالله الشمري

على ضفاف ذاكرة البحر… حيث اشتعل الملح نارًا وتحوّلت المرافئ إلى حكاياتٍ تقاوم النسيان

بقلم الكاتب: سيّار عبد الله الشمّري 

في ليلة من ليالي نادي وسم الثقافي بمركز سايتك في مدينة الخبر وفي أمسيةٍ غلب عليها عبق التاريخ ورائحة البحر، أخذنا الأستاذ عدنان المعيبد في رحلةٍ شيقةٍ وماتعةٍ إلى أعماق الزمن، حيث تتلاقى الأمواج مع الذاكرة، وتنبض المرافئ بالحكايات التي لا تموت. تحت عنوانٍ لافتٍ ومعبّر: “مرافئ النار والماء… حكاية الغزو البرتغالي للخليج العربي”، أبحر بنا المعيبد في فصولٍ منسية من تاريخ الخليج، ليعيد رسم ملامح تلك المرحلة التي شهدت فيها مياهنا اشتباك الأمواج بالنار، وولادة القوة من رحم المواجهة.

كانت الأمسية بمثابة استدعاءٍ لذاكرة البحر، حيث مرّت السفن ذات يومٍ تحمل البنادق والأطماع، فاشتعل الملح نارًا دفاعًا عن الأرض والكرامة. لم يكن الخليج آنذاك مجرد ممرٍّ تجاري أو طريقٍ للبحارة، بل كان ميدانًا للبطولة وصمود الإنسان العربي أمام غزاةٍ حاولوا أن يطفئوا بريق المرافئ، فلم يستطيعوا.

بأسلوبٍ يجمع بين السرد الأدبي والبحث التاريخي، أعاد الأستاذ عدنان المعيبد إحياء مشاهد المواجهة مع الغزو البرتغالي، مستعرضًا كيف توحدت الإرادة، وكيف تحولت المرافئ من أماكن انتظارٍ إلى ميادين نضال. وأشار إلى أن تلك المرحلة لم تكن مجرد معركةٍ عابرة في التاريخ، بل كانت بداية الوعي بالخطر الخارجي وبزوغ روح المقاومة التي شكلت أساس الوعي الوطني لاحقًا في منطقة الخليج العربي.

وفي سياق حديثه، عرّج المعيبد على تاريخ مدينة الدمام وقلعتها القديمة، مستعرضًا ملامحها عبر العصور، وأهمية موقعها الاستراتيجي الذي جعلها نقطة تلاقٍ بين البحر والتاريخ، وبين التجارة والدفاع. كما أوضح سبب تسمية الدمام بهذا الاسم، مشيرًا إلى ما تحمله التسمية من دلالاتٍ بحريةٍ مرتبطةٍ بصوت الطبول التي كان تُستخدم في التحذير من الأخطار القادمة من البحر.

على ضفاف ذاكرة البحر، كما وصفها المعيبد، تتقاطع أصوات الأجداد مع نداء الموج، لتروي للأجيال الجديدة أن البحر كان دائمًا شاهدًا على الكبرياء، وأن المرافئ التي احترقت بالنار، عادت لتولد من جديد بالماء والحياة. لقد جسدت الأمسية تلاحم الإنسان والمكان، وعمق الانتماء الذي لا تذروه الرياح ولا تمحوه الأمواج. كانت حكايةً عن وطنٍ قاوم، وتاريخٍ صمد، وبحرٍ لم يهدأ لأنه يحمل في أعماقه ذاكرة البطولة.

وفي هذه الرحلة التاريخية المميزة، خرج الحضور بانطباعٍ عميقٍ مفاده أن التاريخ ليس مجرد صفحاتٍ تُروى، بل هو نبضٌ يتجدد فينا كلما استدعينا حكاياته على ضفاف البحر، حيث الماء يحفظ سرّ النار، والوطن يبقى العنوان الأول في ذاكرة الزمن.

وفي ختام الأمسية، تسلّم الأستاذ عدنان المعيبد شهادة شكر وتقدير على ما قدّمه من إثراءٍ ومعرفةٍ تاريخيةٍ قيّمة، ثم التُقطت صورة جماعية جمعت المحاضر بالحضور، في مشهدٍ يجسد الامتنان لتاريخٍ يُروى، ولذاكرةٍ تُستعاد، ولجيلٍ يواصل حمل مشعل البحر والمجد.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com