مقالات وآراء

التنمر الوظيفي: مرض صامت ينهش الكفاءات

خالد بركات
خالد بركات

الكاتب خالد بركات 

كشفت دراسة سعودية حديثة نُشرت على حساب الدكتورة ديمه العتيق في منصة X “تويتر”، وشملت 613 موظفاً من القطاعين العام والخاص، أن التنمر في مكان العمل قضية صامتة لكنها متفشية. أظهرت النتائج أن 55.1% من المشاركين تعرضوا للتنمر بحسب تقييمهم الذاتي، بينما أكد مقياس الأفعال السلبية NAQ-R تعرض 34.7% لسلوكيات مؤذية، تصدرتها الإساءات الشخصية بنسبة 37.8%، ثم المضايقات المرتبطة بالعمل 35.6%، فأساليب التخويف 28.4%. وكان المتنمر غالباً ذكراً بنسبة 39.6%، ومن المشرفين 65.3% أو زملاء العمل 56%. الأكثر إيلاماً أن الدراسة ربطت التنمر بالاكتئاب بعلاقة موجبة متوسطة r = 0.538، ووجدت أن الإناث، والمطلقين والأرامل، وموظفي القطاع الخاص، ومن يعملون ساعات أطول، هم الأكثر عرضة للاستهداف.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل وجوه بشرية تُطفأ كل يوم. التنمر في العمل مرض إداري وأخلاقي يبدأ بسخرية عابرة أو تهميش متعمد، وينتهي بكفاءة تهرب، وإبداع يُدفن، وعلاقات مهنية تتمزق. الموظف المتنمر عليه يعيش قلقاً مزمناً، يفقد تركيزه، ويتحول من منتج إلى خائف يعد الدقائق حتى نهاية الدوام. النتيجة الحتمية: استقالة صامتة أولاً، ثم استقالة حقيقية لاحقاً. وهكذا تخسر المنشآت أفضل عقولها، لا بسبب الراتب، بل بسبب بيئة مسمومة تقتل الانتماء.

والخطر يتضاعف على الفتيات تحديداً. فالفتاة التي دخلت سوق العمل بطموح تصطدم أحياناً بتعليقات تقلل من قدرتها، أو تكليف مبالغ فيه لاختبار صبرها، أو استبعاد من اجتماعات تصنع القرار. هذا التمييز المقنّع بالتنمر يسرق ثقتها، ويجعلها تختار الانسحاب حفاظاً على كرامتها. وحين تخسر بيئة العمل المرأة الكفؤة، يخسر الوطن نصف طاقته.

التنمر ليس “شدة إدارة” ولا “ضغط عمل”، بل ظلم صريح يجب استئصاله حمايةً للموظف وصوناً لكرامته. مسؤولية الوقاية تبدأ بسياسة صفر تسامح معلنة، وقناة بلاغ آمنة، وتدريب المدراء على القيادة بالاحترام لا بالترهيب. والموظف مطالب بالتوثيق وعدم السكوت، لأن السكوت ترقية للمتنمر.

ولأن الدولة جعلت حماية العامل أولوية، خصصت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية الرقم الموحد 19911 لتلقي بلاغات مخالفات نظام العمل، ومنها التنمر الوظيفي. كما يمكن رفع البلاغ عبر تطبيق الوزارة أو منصة “معاً للرصد”. لا تنتظر حتى يتحول الأذى إلى اكتئاب، ولا تسمح أن تُدفن موهبتك تحت ركام كلمة جارحة.

بيئة العمل الصحية ليست رفاهية، بل حق. والشركات التي تقيس نجاحها بعدد الصفقات فقط ستصحو يوماً على رحيل كل من يصنع تلك الصفقات. الكرامة خط أحمر، والتنمر مرض، والعلاج يبدأ بالاعتراف والمواجهة والإبلاغ.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com