مدائن السرد

ثمن الرغيف

مروان حبوس

قصة قصيرة
مروان حبوس

قصة أبو عادل تحكي عن رجل فقير يحافظ على كرامته رغم الجوع، يختار العطاء على الأخذ، فيُكافأ في النهاية بفرصة تحفظ عمله وكرامته معًا.

ثمن الرغيف
في حيّ قديم تتلاصق فيه البيوت كأنها تتكئ على بعضها خوف السقوط، كان يعيش “أبو عادل” في غرفة صغيرة فوق سطح بناية.
لم يكن يشكو. لم يُسمع صوته يومًا يطلب مساعدة.
كان يعمل ماسح أحذية قرب الساحة.
كل صباح يضع صندوقه الخشبي أمامه، ويجلس مستقيم الظهر، كأن المهنة لا تنحني به.
تمر به الأقدام قبل الوجوه، تتوقف لحظة ، ثم تمضي
بعضهم كان يترك فوق أجرته نقودًا إضافيّة، بنبرة شفقةٍ مغلّفة باللطف.
فكان يعيد القطع النقدية الزائدة بهدوء:
“الأجر معروف… وما زاد دينٌ على روحي.”
كان الفقر واضحًا في قميصه الباهت،
لكن الكرامة كانت أوضح في عينيه.
في أحد الأيام، انتشر في الحي خبر:
جمعية خيرية ستوزّع مساعدات غذائية.
الناس اصطفّوا باكرًا.
حتى من لم يكن محتاجًا وقف في الطابور.
قال له أحد الجيران:
“تعال معنا… لا احد سيسألك.”
ابتسم أبو عادل وقال:
“أنا اسأل نفسي.”
مرّ أسبوع قاسٍ.
لم يأتِ زبائن كثيرون.
وفي المساء، عاد إلى غرفته ومعه رغيف خبز واحد فقط.
في الطريق، رأى طفلين يجلسان قرب درج البناية، يتقاسمان قطعة بسكويت مكسورة.
سألهم عن أهلهم، فعلم أن أباهم مريض، وأمهم تعمل حتى الليل.
نظر إلى الرغيف في يده.
ثم إلى الطفلين.
انحنى قليلاً وأعطاهما الرغيف كاملًا.
قال أحدهما:
“وأنت ماذا ستأكل؟”
ابتسم وقال:
“أنا أكلت اليوم.”
صعد إلى غرفته تلك الليلة جائعًا.
لكنه نام مرتاحًا.
في اليوم التالي، صندوقه الخشبي قد اختفى.
ارتبك. هذا مصدر رزقه الوحيد.

دار ببصره في الوجوه، فلم يجد شيئًا سوى الضجيج.
وقبل أن يستسلم للفكرة، سمع اسمه.
كان أحد زبائنه الدائمين يقف غير بعيد، يشير إلى محلٍ صغير في زاوية الساحة.
بابٌ خشبيّ، وزجاجٌ نظيف، ولافتة جديدة لم يجفّ طلاؤها بعد.
اقترب بخطواتٍ متردّدة.
قرأ اسمه مكتوبًا بخطٍ واضح:
“أحذية أبو عادل — إصلاح وتلميع”
لم تكن صدقةً عابرة،
بل يدًا أُمسكت بيده كي يقف، لا كي يُسحَب.
قال الرجل بهدوء:
“المحل باسمك. الإيجار مدفوع لعام. وما تدفعه لاحقًا… يكون حقًا، لا منّة.”
ظلّ أبو عادل صامتًا.
لم تبكِ عيناه، لكنهما امتلأتا بضوءٍ خافت، يشبه أول الفجر.
دخل المحل، وضع صندوقه القديم على الرفّ، كما يضع المرء ذاكرته في مكانٍ آمن.
جلس مستقيمًا، كما كان دائمًا.
الفقر لم يختفِ في لحظة
لكن الكرامة، حين تُصان،
لا تمنع الجوع فحسب،
بل تصنع بابًا حتى في الجدار المغلق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com