لسانٌ بلا فم
صحيح؛ ما عاد في وسائل التواصل لسان. هناك أصابع فقط. عشرةُ ألسنةٍ صغيرة في راحتين، تكتب ولا تتكلم، تشير ولا تلمس، تصرخ ولا تُسمع. صار لكل واحدٍ فمٌ من زجاج، وقلبٌ من ضوءٍ أزرق.
في السابق كان اللسان يعتذر حين يخطئ؛ يتردد، يلعثم، يبتلع كلمة. أما الآن فالكلمة تُكتب، تُرسل، تُنشر، ثم تبقى. لا وجعَ في الحلق، ولا طعمَ للندم. لهذا يجرؤ الناس هنا على ما لا يجرؤون عليه هناك.
هناك لسانٌ أسود يكتب في الظلام، ولسانٌ أبيض يجمّل في النهار. لكن لا أحد يرى لون اللسان؛ الجميع يرى لون الشاشة. الأسود يمرّ كتعليق، والأبيض يمرّ كإعجاب. والغائبُ الوحيد هو النبرة: تلك المنطقة الرمادية بين السخرية والحزن، بين المزاح والجرح.
في وسائل التواصل، لا أحد يسمع صوتك. يقرؤون شكلك، صورتك، إملاءك، عدد متابعيك. يقرؤون ما كتبت، لا ما أردت. ولهذا يخطئون فيك، وأنت تخطئ فيهم. كلنا هنا بلا لسان، ومع ذلك نتكلم كثيراً.
ربما هاجر اللسان إلى الأصابع. وربما صارت لوحة المفاتيح فماً جديداً، بلا لعاب، بلا دفء، بلا رائحة قهوة. لكن الكلمة تبقى كلمة. وإن غاب اللسان، لا تغب النية. فاكتب كما لو أن لك لساناً سيشهد عليك غداً. واقرأ كما لو أن لك أذناً تسمع ما بين السطور.
ما عاد فيه لسان في وسائل التواصل… لكن فيه قلوبٌ تقرأ. والقلوب، يا صاحبي، لا تعرف الأسود والأبيض. تعرف فقط: طِيبَ الكلام وخُبثه.














