مدائن السرد

إنعاش روح تحتضر

قصة قصيرة
مروان حبوس

القصة تحكي عن رجل مسنّ وحيد يستعيد معنى الحياة عندما تقترب منه فتاة صغيرة وتمنحه اهتماماً صادقاً، فيتحول مقعده القديم إلى مساحة تجمع الجيران وتُنعش روحه التي كانت تذبل.

إنعاش روح تحتضر
في أحد الأحياء العتيقة التي ما زالت تحتفظ برائحة الزمن القديم، حيث الشرفات الضيقة تتجاور كأنها تتبادل الأحاديث بصمت، وكان المارة يعرفون بعضهم بالوجوه قبل الأسماء، وقف مبنى سكني متواضع تتسلّق جدرانه آثار السنوات. وأمام ذلك المبنى، كان هناك مقعد خشبي قديم، مائل قليلاً نحو اليمين، وقد نال من الشمس والمطر ما جعله يشبه صفحات كتابٍ تقادم عهده، لكنه لم يفقد قيمته.
كان ذلك المقعد شاهداً على طقسٍ يومي لا يتغير. ففي كل مساء، وقبيل أن تبتلع الشمس أطراف المدينة، كان رجل مسن يُدعى أبو سامر يخرج من مدخل المبنى بخطوات هادئة متثاقلة، يحمل كوب شاي تفوح منه رائحة النعناع، ويجلس على المقعد كأنما يؤدي صلاة صامتة للذكريات.
كان وجهه يحمل تضاريس العمر، تجاعيد متشابكة تحكي قصصاً لم يروها لأحد، وعيناه بلون الغروب، فيهما بقايا دفءٍ وشيء من الحنين الذي لا يجد طريقه إلى الكلمات. لم يكن كثير الحديث، بل كان الصمت صديقه الأقرب، حتى إن بعض الأطفال كانوا يمرّون بجانبه بحذر، يتبادلون النظرات ويتهامسون: “إنه الرجل الذي لا يبتسم.”
لكن الحقيقة كانت أعمق من تلك النظرة السطحية.
في أحد أيام الخريف، حين بدأت أوراق الأشجار تتساقط مثل رسائل وداع، انتقلت عائلة جديدة إلى الطابق الثالث من المبنى. كان معهم فتاة في الخامسة عشرة من عمرها، اسمها ليان. كانت تحمل في عينيها فضولاً يليق بعمرها، وقلباً يميل إلى ملاحظة التفاصيل الصغيرة التي يغفلها الآخرون.
منذ يومها الأول، لم يغب عنها منظر الرجل الجالس على المقعد. كانت تراه كل مساء، ثابتاً كأنه جزء من المكان، كالمصباح المعلق أو باب المدخل الحديدي. سألت والدتها عنه، فجاءها الجواب بسيطاً لكنه ثقيل: “هذا أبو سامر… عاش هنا منذ زمن طويل. زوجته توفيت، وأولاده سافروا بعيداً. لم يعد يزوره أحد.”
بقيت تلك الجملة تدور في ذهن ليان كريحٍ تبحث عن نافذة. شعرت بحزنٍ غامض، حزنٍ لا تعرف له سبباً مباشراً، لكنه يشبه إحساس المرء حين يرى بيتاً قديماً مغلقاً ويشعر أن داخله حكايات تنتظر من يسمعها.
مرّت الأيام، حتى جاء مساء عادت فيه ليان من المدرسة، فرأت أبا سامر يحاول حمل أكياس خضار ثقيلة، وكانت يداه ترتجفان قليلاً تحت ثقلها. توقفت ليان للحظة، ترددت، كأنها تقف على حافة قرار صغير لكنه مصيري، ثم اقتربت منه وقالت بصوتٍ خجول:
“اسمح لي أن أساعدك يا عم.”
رفع رأسه ببطء، ونظر إليها بعينين فيهما دهشة وامتنان غير معلن، ثم قال: “بارك الله بك يا ابنتي.”
كان ذلك الموقف البسيط كزرٍ صغير أعاد تشغيل آلة الزمن في قلبه.
في اليوم التالي، ألقت عليه التحية. وفي اليوم الذي يليه، توقفت لدقائق. ثم جاء يوم جلست فيه إلى جانبه على المقعد، وكان بينهما صمت قصير يشبه التعارف الأول بين غرباء جمعهم قدرٌ لطيف.
سألته ليان عن عمله في شبابه، فأجابها بإيجاز: “كنت نجّاراً.”
لكن السؤال فتح صندوقاً من الذكريات. ومع الأيام، صار الصندوق يُفتح أكثر. أخذ يحدثها عن الخشب الذي كان يختاره بعناية، وعن الأبواب التي صنعها بيديه، وعن البيوت التي شهدت بدايات عائلات بفضل عمله. أخبرها عن زوجته التي كانت تشاركه تفاصيل يومه، وعن صوت ضحكتها الذي كان يملأ البيت دفئاً.
كانت ليان تستمع إليه بإنصاتٍ نادر، إنصات جعل كلماته تتدفق كجدولٍ وجد أخيراً طريقه بعد طول احتباس.
وبدأت تتشكل حول المقعد حياة جديدة. صار بعض الأطفال يجلسون قريباً ليستمعوا إلى قصص أبي سامر عن الماضي، وعن ألعاب الشارع القديمة، وعن زمنٍ كان الناس فيه يعرفون جيرانهم قبل أن يعرفوا هواتفهم.
تبدل الرجل الذي كان يُظن أنه متجهم. صار يبتسم. صار يسأل عن أحوال الآخرين. وحتى المقعد بدا كأنه استعاد شبابه.
لكن الحياة، كما اعتادت، لا تسير في خطٍ مستقيم.
في أحد الأيام، خرجت ليان كعادتها، لكنها لم تجد أبا سامر. جلست مكانه تنتظر، كأنها تحرس الغياب. مرّ المساء، ولم يأتِ. وفي اليوم التالي بقي المقعد فارغاً، وكان الفراغ هذه المرة ثقيلاً كأنه شخص غائب لا يُعوّض.
انتشر الخبر بين الجيران: أبو سامر دخل المستشفى بعد وعكة صحية مفاجئة.
شعرت ليان بأن شيئاً انكسر داخلها. أدركت فجأة أن العلاقات الإنسانية قد تنمو بهدوء، لكنها حين تهتزّ، تترك فراغاً واسعاً. قررت زيارته رغم خوفها من المستشفيات.
حين دخلت غرفته، كان مستلقياً بهدوء، وعيناه نصف مغمضتين. لكنه حين رآها، اتسعت عيناه بدهشة ممزوجة بعاطفة عميقة. قال بصوتٍ متعب:
“لم أكن أظن أن غيابي سيلاحظه أحد.”
اقتربت ليان وقالت بابتسامة حاولت أن تخفي دموعها: “المقعد بدونك صار كأنه فقد ظله.”
بقيت تلك العبارة ترن في قلبه أياماً.
وبعد فترة علاج قصيرة، عاد أبو سامر إلى بيته. وفي مساء عودته، خرج ببطء نحو المقعد، لكنه توقف فجأة. لم يعد المقعد كما تركه. كان قد تم إصلاحه، وتلوينه بلونٍ دافئ، وزُرعت حوله أوعية صغيرة من الزهور.
وكان هناك ما هو أجمل…
كان الجيران والأطفال يقفون حوله ينتظرونه.
اقتربت ليان وقالت: “هذا المقعد لم يكن مجرد خشب… كان مكاناً جمع قلوبنا.”
جلس أبو سامر، ونظر حوله. شعر أن الوحدة التي لازمته سنوات طويلة بدأت تتلاشى كضبابٍ تفرقه شمس الصباح. أدرك أن الإنسان قد يعيش عمراً كاملاً وهو يظن أن وجوده عادي، حتى يأتي موقف صغير ليخبره أنه كان يعني الكثير للآخرين.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد المقعد مجرد مكان للجلوس، بل صار مساحة للحكايات، وملتقى للقلوب، وشاهداً على حقيقة بسيطة:
أن كلمة طيبة أو موقفاً صغيراً قد يعيد الحياة إلى روحٍ كانت تحتضر.
ولم يعد المقعد فارغاً… بل صار ممتلئاً بالإنسانية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com