على قيدِ الحَنين


قصة قصيرة
بقلم : فايزة حامد الثبيتي
بين خوفِ الطفولة وحنينِ الكِبَر، تختبئ تفاصيلُ أبي الراحل في لقمةِ العيد الأولى.. قصةٌ عن رحيلٍ لم يكتمل، وضحكةٍ تتوارثها الأجيال لتُثبت أن الآباء لا يموتون أبداً
في فناء بيتنا القديم، كان والدي ـ رحمه الله ـ يقف ضاحكاً، يمسك سكينه الحادة ويقطع “الكبدة النية” ليرش عليها الملح والكمون، ويوزعها علينا كفاتحة لبركة العيد.
وكنت أنا، بقلبي الطفولي المذعور، أهرب منه كالهاربة من حتفها. أختبئ خلف الأعمدة، أو أتسلل إلى الحمام متظاهرة بأنني لم أسمع النداء. وعندما كان يمسك بي بلطف ويقدم لي تلك القطعة الدامية، كنت أبلعها بدموعي دون مضغ، متمردة في داخلي: “لماذا لا نشويها يا أبي؟”.
كان يضحك بصوته الدافئ ويناديني: تعالي يا جبانة، هذه تقوي الدم وتملأ القلب شجاعة!.
لم يكن الخوف من الكبدة وحده ما يمزقني، بل مشهد الذبح بأكمله. كنت أغلق عينيّ وأسد أذنيّ في غرفتي، أبكي برحمة الطفولة على الخروف الذي كان يلاعبني قبل أيام في الحديقة. لم أكن أستوعب كلمات أبي الصبورة عن سنة الخليل والفداء، كنت أرى فقط روحاً تغادر، وأتساءل بمرارة: “لماذا نذبح من نحب؟”.
دارت الأيام دورتها.. ورحل أبي.
والآن، أقف في العيد مكانه. أقدم لابنتي قطعة من الكبدة النيئة، فترتعد وتتوارى عني بذات الذعر القديم. أنظر إليها وأضحك.. تماماً كما كان أبي يضحك.
في تلك اللحظة تلاشت غياهب الموت أدركتُ أن أبي لم يرحل، إنه يعيش في ضحكتي التي أُطمئن بها ابنتي وفي دمعتي الحارة التي تفتقده، وفي رشّة الملح والكمون.
أفهم الآن أن تلك اللقمة لم تكن مجرد أكلة نية، بل كانت صكّ حب، وأمان، وامتداد رزق. حتى نظرتي للذبح تغيرت فما عادت الرحمة في عيني ألا نموت، بل أن نتعلم كيف نضحي وننحر أنانيتنا.
أتمنى اليوم لو يعود بي الزمن، لا لأهرب، بل لأتلقف تلك القطعة من يده الطاهرة، وأبلعها بملء الرضا، فقط لأشعر لمسة يده التي غادرتني.. وأخبر العالم كله أنني ابنته.














الله يرحمه🤲🏽🤲🏽🤲🏽ولوكان على قيد الحياه لرفع رأسه بابنته وثقافتها وعلمها فمع كل صلاه ادعى له واسرفى فى ذكره فهم من علمونا مواجهه الحياه وهم من زودنا بقيم فقدت هذا الزمان
والدي كان مدرسة في الصبر والقيم. يبقى أثرهم فينا ما حيينا، ونسأل الله أن يجعل برّنا ودعواتنا نوراً يصلهم.شكرا على الرد